مقالات

محمد بابكر يكتب:التعدين العشوائي عندما يصبح البحث عن الذهب لعنة تقتل الأرض والإنسان

بينما تتجه الأنظار إلى جثث الفئران الطافية على سطح الماء يختبئ السبب الأكثر فتكا في أعماق الأرض وعلى ضفاف الأنهار.

التعدين العشوائ هذا النشاط الذي تحول من حلم بالثراء السريع إلى كابوس بيئي هو اليوم المتهم الأول في قضية نفوق الكائنات الحية في حوض نهر عطبرة وهو جريمة مكتملة الأركان ترتكب يوميا في حق بيئة السودان ومستقبله.

لفهم حجم الكارثة يجب أن نفهم طبيعة الأدوات المستخدمة في هذه الجريمة البيئية.
يعتمد المعدّنون الأهليون في غياب الرقابة والوعي
على مادتين من أشد المواد الكيميائية سمية على الإطلاق لفصل الذهب عن الصخور

يخلط الزئبق بالتراب الخام ليلتصق به الذهب مكونا ما يعرف بـالملغم .

بعد ذلك يتم حرق هذا الخليط في الهواء الطلق لتبخير الزئبق والحصول على الذهب.
هذه العملية البدائية تطلق أبخرة الزئبق السامة مباشرة في الهواء والتي تعود لتستقر في التربة والمياه. الزئبق سم عصبي فتاك يتراكم في أجسام الكائنات الحية (خاصة الأسماك) ويسبب تلفا مدمرا في الدماغ والجهاز العصبي للإنسان وتشوهات خلقية للأجنة.
يستخدم السيانيد في أحواض ترشيح ضخمة (تعرف بالكارتة) حيث يتم إذابة الصخور المطحونة في محلول السيانيد لاستخلاص الذهب.

هذه الأحواض غالبا ما تكون بدائية الصنع بلا أي عوازل هندسية لمنع التسرب.

أي فيضان أو مطر غزير أو حتى خطأ بشري بسيط يمكن أن يؤدي إلى
تسرب كميات هائلة من السيانيد مباشرة إلى المياه الجوفية أو مجاري الأنهار القريبة أن السيانيد يقتل بسرعة حيث يمنع خلايا الجسم من استخدام الأكسجين مما يؤدي إلى اختناق داخلي وموت جماعي للكائنات الحية بدءاً من أصغرها كالفئران والأسماك وصولاً إلى الحيوانات الكبيرة والإنسان.

المأساة الكبرى هي أن هذه الجرائم البيئية تحدث في ظل فراغ قانوني شبه كامل وغياب مريع للرقابة.

قوانين بلا أنياب على الرغم من وجود قوانين بيئية نظرية إلا أنها تظل حبرا على ورق.

لا توجد آليات صارمة تطبيقها ولا فرق رقابية ميدانية فعالة تملك السلطة والقدرة على إيقاف هذه الممارسات ومحاسبة مرتكبيها.
تضارب المصالح في كثير من الأحيان تتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية مع حماية البيئة.

ينظر إلى التعدين العشوائي كمصدر دخل لآلاف الأسر وكرافد اقتصادي مما يجعل السلطات تتغاضى عن آثاره المدمرة وتضع الأرباح قصيرة المدى فوق استدامة الحياة والصحة العامة.

يعمل غالبية المعدنين في ظروف قاسية وبجهل تام للمخاطر التي يشكلونها على أنفسهم وعلى البيئة.

لا توجد حملات توعية جادة ولا بدائل آمنة تقدم لهم مما يجعلهم ضحايا وجناة في آن واحد.
إن نفوق الفئران على ضفاف عطبرة ليس إلا عرضا بسيطا لمرض عضال اسمه التعدين غير المنظم.

ما نراه اليوم هو مجرد قمة جبل الجليد.
ففي الأعماق تتسرب السموم إلى مياهنا وتتراكم في أسماكنا وتلوث أراضينا.
إن الصمت عن هذه الكارثة هو بمثابة الموافقة على تسميم أجيالنا القادمة ببطء.

لقد حان الوقت للانتقال من حالة الإنكار إلى حالة المواجهة.
يجب أن يجرّم استخدام السيانيد والزئبق في التعدين العشوائي بشكل قاطع وأن تفرض عقوبات رادعة على كل من يشارك في هذه السلسلة المدمرة من العامل الصغير إلى التاجر الكبير الذي يموله.
فإما أن نختار الذهب الملوث بالدم والموت أو نختار الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى