مقالات

حينما تتحول الصحافة من قلم وكاميرا وميكروفون إلى مختبر أبحاث علمية عن مزاعم الأسلحة الكيميائية” في السودان*

بقلم/ رانيا عمر:

  تابعت ما بث ته قناة سكاي نيوز عربية مؤخرا حول مزاعم استخدام أسلحة كيميائية في السودان وأعتقد أن كل من تابع هذا التقرير سيلاحظ أمر ا يثير القلق: غياب الأدلة العلمية الدامغة فيما ي قرأ بين السطور كأنه سيناريو لعمل درامي لا علاقة له بالواقع الموضوعي.

حاولت القناة صب التقرير في قالب إنساني مؤثر وتقديمه كمادة استقصائية لا تشوبها شائبة مدعية كما قالت مذيعتهم أنه مدعوم “بالأدلة المؤكدة”. وتضمن التقرير بعض الإفادات لأشخاص ليتبين لنا أننا أمام معضلة إعلامية سياسية بغطاء إنساني سرعان ما لاح في الأفق افتقارها للأسس العلمية والقانونية على حد سواء.

كيف يصبح الإعلام بديلا عن المختبر

حين ندرس الإعلام نتعلم أن نطرح الأسئلة لكن من الخطورة البالغة أن نصوغ الاتهامات دون دليل مادي ملموس. فعلى مر التاريخ الإعلامي لن تجد وسيلة إعلامية تتقم ص دور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بل الأخطر من ذلك أن تتقم ص أدوار العلماء وت صدر تقاريرهم دون أن تجمع عي نة واحدة من التربة حتى.

وبهذا التقرير أدرجت سكاي نيوز اسمها في عالم الفضائيات تحت مسمى إعلام “مسي “س” حيث ي ختزل التحقيق في صورة ودموع وصوت مرتجف وأوداج منتفخة لا أكثر ولا أقل.

اللقطات المصورة لا تصنع أدلة

ارتكزت القناة في معظم تقريرها البصري على صور لضحايا ي قال إنهم “أصيبوا بالسلاح الكيميائي غير أن الحقيقة العلمية الدامغة تؤكد أن السلاح الكيميائي لا ي شخص بالعين المجردة. فالتحليل العلمي يتطلب فحوصات دقيقة لعي نات الدم والبول والتربة والهواء ضمن إجراءات مخبرية محددة وموثقة.

أما الصور وحدها فهي مادة بصرية مثيرة للشفقة ربما لكنها تفتقر للدليل العلمي القاطع. ومن المفارقات أن الإصابات الجلدية التي عرضتها القناة لا تتوافق أصلا مع نمط انتشار الأسلحة الكيميائية المعروف الذي شهده العالم في الغوطة السورية مما يطرح تساؤلات جدية حول مصداقية المادة المعروضة برمتها.

أخطاء طبية فادحة

وتزداد الصورة وضوح | عندما نتأمل التفاصيل الطبية المزعومة. فقد أورد التقرير حالة شخص يعاني من تضخم في الرقبة وقد مها بوصفها إصابة كيميائية ناتجة عن استنشاق مادة سامة في غارة جوية. لكن أي طالب طب في السنة الأولى يدرس ويعرف أن هذا النوع من التور م لا علاقة له بالغازات الكيميائية بل يتطابق أكثر مع تضخم الغدة الدرقية أو العقد اللمفاوية أو أورام حميدة تتطور عبر سنوات لا دقائق معدودة.

وهنا نصمت مذهولين لأننا لم نعد أمام خطأ إعلامي فحسب بل أمام تضليل فادح يسيء للعلم والعلماء ولعقل المشاهد في آن واحد.

الإجهاض وفقدان الأجنة بين الطب والإثارة

ويقفز بنا كاتب التقرير صاحب الخيال الواسع إلى الفقرة الأكثر إثارة للدهشة: الحديث عن “حالات إجهاض بسبب السلاح الكيميائي وكأنه أراد أن يجمع كل مأساة إنسانية على أرض الله في كونه الفسيح في مشهد درامي واحد مثير للشفقة.

فبحسب المعلومات العلمية الموثقة الإجهاض الكيميائي في المفهوم الطبي لا يحدث إلا في حالات تسمم حاد وممتد وبتركيزات عالية جدا من المواد السامة وهو أمر لا ي ستدل عليه بروايات أو صور بل بفحوصات طبية دقيقة في المستشفيات وعيادات النساء والتوليد.
وعلى مر العصور القديمة والحديثة في تاريخ الحروب العالمية لم يحدث أن خرج تقرير صحفي بهذه الادعاءات دون أدلة مخبرية قاطعة حتى من مراسلي القنوات التلفزيونية في ساحات الحروب.

من السرد إلى الإدانة: تجاوز خطير

ما قد مته القناة لا يرقى إلى مستوى التحقيق الصحفي” بالمعنى المهني بل هو مادة سياسية موجهة تستخدم الصورة لتثبيت رواية م عدة مسبق .. لقد قفزت القناة بالزان من مرحلة العرض إلى الإدانة مباشرة متجاوزة أبسط قواعد التحقق الصحفي لتقدم نموذج | مؤسف الكيف يمكن أن تتحول الكاميرا إلى أداة للاتهام لا وسيلة لاكتشاف الحقيقة.

هذا النهج يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل المهنة الصحفية برم تها خاصة في ظل التحديات الكبرى التي تواجهها اليوم من تراجع الثقة والانجراف نحو التسييس.

الحقيقة بين المختبر والشاشة

الحقيقة المجردة هي أن لا شيء مم ا ع رض يثبت وجود استخدام للأسلحة الكيميائية في السودان. كل ما هنالك توظيف إعلامي محسوب يسعى لتصوير مشهد إنساني موجع وتحويله إلى ملف سياسي ضاغط على مؤسسات الدولة السودانية وجيشها.

وما بين اللقطة والمؤثر الصوتي تضيع الحقيقة العلمية وي ختزل التحقيق في انفعال بصري بلا مختبر وبلا قانون وبلا أخلاق مهنية. وحينما يصبح المانشيت الرئيسي بارز ا وصاخب اولافت | تأكد أن الحقيقة ليست بين السطور بل تحت ركام الإثارة والتوجيه السياسي.

يبقى السؤال الأهم هل ما نراه اليوم هو مستقبل الصحافة بشكل عام والصحافة الاستقصائية على وجه الخصوص أم هو نهايتها؟.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى