الصاوى: تعالوا إلى كلمة سواء.. “الوجدان السوداني”

بقلم/ حسام البر:
المعرفة سلطة: والسلطة التي تدوم هي تلك التي تنبعث من الفكرة.
ما يلتقطه وجدان المشاهد على نحو متفاوت، جلي أو خفي، كلٌّ بحسب استعداده، هو ظلال سلطة المعرفة؛ ذلك التفهّم والإدراك الذي تتفتح أزهاره وتورق أوراقه في طريقة مصعب الصاوي التي تشبهه وحده.
اللافت بالنسبة لي هو أسلوبه الجديد، وطريقته البكر التي لم يمشِ فيها أحد قبله. وعلى اختلاف الناس حولها، إلا أنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل والتدبر في فقه الممكنات والتقاط المعاني، التي يبرع مصعب في كفكفة أطرافها الواسعة ليحشدها “بشياكة” في كبسولة صغيرة من العبارات المصوَّبة بدقة نحو أبعاد مفاهيمية متعددة، تتوسل بالغناء وتتسنم أعلى ذراه. ويمكن للناس قراءتها بمستويات بسيطة أو مركبة، مرة أخرى، كلٌّ حسب استعداد ماعونه.
وبدا لي واضحًا أن طريقة الصاوي ومذهبه، الذي يجمع فيه بين التلقائية والمباشرة والبساطة ومنتهى التركيب، كل ذلك في سَمْت واحد، تترسخ هذه الطريقة وتنضج وتتماسك أدواتها في كل موسم جديد، وسيكون لها تأثيراتها في الفضاء الإعلامي السوداني. ولا أستبعد أن يظهر لها أتباع ومقلدون، فهكذا تنشأ المدارس والمذاهب في شتى المجالات على مكث، وفي جدل وكبد.
الظلال تحكم كل شيء:
الظلال.. تلك التفاصيل الصغيرة التي تقبع متناثرة في خلفية أي مشهد، هي التي تشير إلى مآلات وعواقب ذلك المشهد بأكثر مما تفعله الوقائع الرئيسية والأحداث الكبيرة فيه. إذ إن الظلال أينما وجدت تعني أن هناك مناطق خافتة لم يتم إدراكها أو اعتبارها والتعامل معها في حينها وظلت معلقة . هذه هي القاعدة العامة في كل مشاهد الدنيا على اختلافها.
الصاوي كان ولا يزال بارعًا في تشقيق ظلال المعاني في مشاهد الأغاني ونثرها بإيجاز بين يدي المشاهدين، متتبعًا حكمتها ومستمتعًا بطرافتها وفكاهتها. توفّر هذا البعد الأدائي في “أغاني وأغاني” يجعل من البرنامج “حالة” معينة، والحالة دائمًا لها اعتباراتها ومداراتها الخاصة. وذلك ما يميزه عن غيره من برامج الغناء، وهو أيضًا ما جعل الوجدان السوداني الجمعي يستصحبه كطقس رمضاني من جملة الطقوس الرمضانية السودانية الخاصة.

الصاوي في أول حلقة من هذا الموسم كان قد أشار إلى “منفستو” البرنامج، وهو الغناء للسودان، الغناء للوجدان الجمعي السوداني، القاسم المشترك الأعظم بين أهله وشعوبه وقبائله. وهو الذي تمخضت عنه الشخصية السودانية، كما يتمخض اللبن الخالص، السائغ شرابه من بين فرث ودم، في مخاض طويل بدأ منذ فجر التاريخ البشري. هذا الوجدان الجمعي السوداني الذي يعلو ولا يُعلى عليه هو منفستو البرنامج،
وفي تقديري، سيظل الوجدان الجمعي السوداني دائمًا وأبدًا هو صاحب الظل الطويل الذي سيفيء إليه الجميع. هذا ما سمح به المقام والحال والزمان… عاش السودان.


