
خالد الفكي سليمان:
في لحظةٍ فارقة من تاريخ السودان، حيث تتقاطع تحديات الحرب مع رهانات التعافي، يبرز الإعلام والثقافة كجبهةٍ موازية لا تقل أهمية عن ميادين القتال. فمعركة الدولة القومية اليوم لا تقتصر على حماية الأرض فحسب، بل تمتد إلى صون الهوية، وترميم الوجدان، وبناء سردية وطنية جامعة تقف في وجه حرب الارتزاق ومحاولات طمس الشخصية السودانية.
اللقاء النوعي الذي احتضنه مركز الفضاء العالمي للإعلام والثقافة بكرري، بحضور والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، وقيادات الدولة، وكوكبة من المبدعين، لم يكن مجرد فعالية احتفالية بمناسبة عيد الفطر، بل مثّل منصة استراتيجية لإعادة تعريف دور النخبة الثقافية والإعلامية في هذه المرحلة الحرجة. وقد عكست المداخلات الثرية إدراكاً عميقاً بأن الكلمة والصورة واللحن قادرة على إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإحياء روح الانتماء في النفوس.
إن تجاوب والي الخرطوم مع رؤى ومبادرات أهل الإعلام والثقافة يؤشر إلى وعي رسمي متقدم بأهمية “القوة الناعمة” في معركة التعافي. فالدعوة إلى مواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز قيم القانون، وتوحيد الوجدان الوطني، تمثل مرتكزات أساسية لأي مشروع وطني يسعى لاستعادة الاستقرار وبناء الدولة. وهي ذات الأهداف التي تتقاطع موضوعياً مع دور القوات المسلحة السودانية، التي تخوض معركة الوجود دفاعاً عن سيادة البلاد ووحدتها.
في هذا السياق، تتعاظم مسؤولية المبدعين في تشكيل خطاب وطني جامع يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويدعم جهودها، ويحصّن المجتمع ضد حملات التضليل والتخذيل. فالإعلام ليس مجرد ناقل للخبر، بل صانع للوعي، والمثقف ليس شاهداً محايداً، بل فاعل رئيسي في معركة البناء الوطني.
ويبرز مركز الفضاء العالمي للإعلام والثقافة كنموذج فاعل في هذا الاتجاه، عبر جهوده في توحيد المبدعين، وتعزيز لُحمتهم، ورفع معنوياتهم الوطنية، فضلاً عن سعيه لإطلاق شراكات استراتيجية تعيد النشاط الثقافي إلى أطراف الولاية، بما يسهم في تحقيق العدالة الثقافية وتوسيع دائرة التأثير الإيجابي.
إن ما جرى في كرري، بقيادة الأمين العام للمركز الشاعر مختار دفع الله، ونائبه الأستاذ عادل سنادة، يفتح الباب أمام تأسيس كيان سوداني جامع، تتلاقى فيه طاقات الإعلاميين والمثقفين والفنانين، ليشكلوا جبهة وعي متماسكة تسند الدولة، وتدعم القوات المسلحة، وتعيد صياغة المشهد الوطني على أسس من الوحدة والهوية الراسخة.
في نهاية المطاف، لا تُحسم الحروب بالبندقية وحدها، بل بالكلمة التي تُلهم، والصورة التي توحّد، والوعي الذي يحمي الأوطان من الانكسار.




