كواكب الصحافة: الدفعة التي غيّرت وجه المهنة في السودان

محمد عثمان مصطفى “دبايوا”:
في صباح يوم 13 فبراير 1975، توقفت مجموعة من الشباب والشابات أمام بوابة دار الصحافة للطباعة والنشر بشارع علي عبد اللطيف، قبالة مباني جامعة القاهرة ، فرع الخرطوم.
كانوا أربعة عشر خريجاً وخريجة من الجامعات، تتوزع على وجوههم ملامح الدهشة والترقب. تبادلوا النظرات وهم يعبرون البوابة في صمتٍ أقرب إلى الوقار، ثم اتجهوا نحو المبنى الرئيسي حيث يقع مكتب رئيس التحرير جعفرأبو حاج، منتدب من الخارجية، ومدير الإدارة علي الطيب.
لم يكن أحد منهم يدرك أن تلك الخطوات الأولى داخل المبنى كانت تدشن فصلاً جديداً في تاريخ الصحافة السودانية؛ فبعبورهم تلك البوابة كان عهد قديم يطوى، وعهد آخر يبدأ.
جاء اختيار هؤلاء بعد سلسلة طويلة من المقابلات مع قائمة طويلة من المتقدمين. ولم يكن معيار المعرفة بالعمل الصحفي هو الأساس في الاختيار، بل كان التركيز على السمات التي يتطلبها هذا العمل، سعة الاطلاع، وقوة الملاحظة، وسرعة البديهة، والرغبة الصادقة في التعلم.
تكوّنت المجموعة من خلفيات مهنية وأعمار مختلفة؛ فمنهم المعلم والإداري والزراعي والباحث الاجتماعي وغيرهم. وكان القاسم المشترك بينهم أن معظمهم لم يكن يعرف شيئاً تقريباً عن أبجديات العمل الصحفي. ومع ذلك تم تعيينهم على درجة DS، وهي من الدرجات العليا في كادر الخدمة المدنية، وأعلى من درجة Q لتعيين الجامعيين.
كان وجود هؤلاء نتاج رؤية استشرافية للدكتور جعفر محمد علي بخيت، رئيس مجلس إدارة الصحيفة آنذاك، الذي أدرك مبكراً أن تطوير العمل الصحفي وترقيته يقتضي رفده بكوادر جامعية. وقد أطلق عليهم اسم “كواكب الصحافة”.
بعد الاجتماعات التعريفية الأولى، طُلب من كل واحد من الكواكب إعداد موضوع صحفي من اختياره. فكتبتُ موضوعاً عن سوق السجانة. لا أذكر ما كتبه الآخرون، لكن نُشر للزميل أحمد طه موضوع عن جامع ود أم مريوم.
ولأغراض التأهيل تقرر أن يتدرب كل واحد من الكواكب في جميع أقسام الصحيفة بنظام التناوب. وكان التدريب يشمل حتى السهر في المطبعة حتى اكتمال طباعة الجريدة، إذ كانت المطبعة جزءاً من المبنى نفسه. وبعد انتهاء فترة التدريب تم توزيعهم على الأقسام المختلفة، وكان نصيبي قسم الأخبار الخارجية.
وعند التحاقنا بالصحيفة لم يكن فيها من الصحفيين الجامعيين سوى اثنين: عبد الله جلاب وبابكر العراقي.
وقد استفاد الكواكب كثيراً من خبرات الكادر الصحفي العامل بالصحيفة، ومن بينهم، فضل الله محمد رئيس التحرير، بعد جعفر ابو حاج، عثمان عقيلي مدير التحرير، شريف طمبل مدير التحرير لاحقا ، توفيق صالح رئيس قسم الأخبار، عبد الله جلاب سكرتير التحرير، هاشم ضيف الله رئيس القسم الرياضي، محمود بابكر جعفر رئيس القسم الخارجي و الفاتح محمد الامين، رئيس قسم التحقيقات.
كما تعلمنا من الصحفيين المتمرسين، طه الريفي، طلحة الشفيع، فؤاد عباس، عصمت يوسف، أبو حاج، محمود إدريس، شيخ إدريس بركات، أحمد محمد الحسن، ، بخيته امين ،محمد سعيد محمد الحسن ، و محمد صالح فهمي رئيس قسم التصحيح.
ومن المتعاونين مع الصحيفة الأساتذة: حسن نجيلة، جمال عبد الملك ابن خلدون، وسليمان عبد الجليل،وابراهيم دقش وغيرهم ممن لم تسعفني الذاكرة باستحضار أسمائهم.
بعد فترة قصيرة تقلص عدد الكواكب لأسباب خاصة أو أمنية، فغادر الزملاء د. محمد سليمان شاهين، بدر الدين محجوب، أحمد طه، ومحجوب عروة. ثم غادر لاحقاً عبد الرحمن عبد الباسط إلى الدوحة. والتحق بوزارة الاعلام ثم اعلام منظمة الخليج للاستشارات الصناعية واخيرا مركز الدوحة لحرية الاعلام.
وصمدت بقية المجموعة لبعض الوقت. ثم ابتُعث محمد عثمان (دبايوا) لمدة عام إلى المعهد الدولي للصحافة في الولايات المتحدة، وبعدها اتجه إلى العمل في الامارات ولم يعد إلى الجريدة.
وفي فترات لاحقة هاجر الشيخ درويش للسعودية و عمل بمنظمة الدعوه الاسلامية والرشيد حميدة ايضا إلى السعودية وعمل في اعلام ارامكو و هاجر علي صديق للامارات.وعاد الشيخ درويش للسودان في مجال الاعمال الخاصة وظل يمارس المهنة احيانا ك freelance او متعاون. أما فتح الرحمن محجوب فالتحق بمجلة سودان ناو رئيسا للتحرير، ثم بعد حصوله على الدكتوراه تفرغ للعمل الإعلامي والأكاديمي. واستمر عباس الطاهر فترة في الصحافه قبل أن يعود إلى الخدمة المدنية مرة اخري. أما الكوكبة الوحيدة، رقية السيد، فقد غادرت المهنة لاحقاً واتخذت مساراً أكاديمياً بعد حصولها على الدكتوراه.محجوب عروة الذي غادر مبكرا لاسباب امنية توجه للخليج حيث اسس صحيفة لم تدم طويلا و عاد للسودان لاحقا ناشرا ورئيسا لتحرير صحيفة السوداني الدولية.
محمدعثمان دبايوا حصل ايضا علي شهادة المعهد الدولي للصحافة بالمانيا الغربية وتقلد منصب نائب رئيس تحرير صحيفة جلف Gulf News الانجليزية بدبي ومطبوعات اخري ،وعاد للسودان و عمل نائبا لرئيس تحرير جريدة الخرطوم مع فضل الله محمد ثم رئيسا لتحرير صحيفة Sudan Vision سودان فيشن الانجليزية و اخيرا مدربا مع مؤسسة تومسون.
وبحسب ما أذكر، فإن الوحيد من الكواكب الذي ظل صامدا في جريدة الصحافة حتى نهاية فترة الإنقاذ هو نور الدين مدني، ثم عمل في عدة صحف بعدها و هاجر اخيرا الي استراليا بينما لم تتح لي معرفة المسار الذي سلكه عثمان يوسف بعد ذلك.
كانت تجربة الكواكب بداية تحول مهم في بنية الصحافة السودانية. فقد فتحت الباب واسعاً أمام تعيين خريجي الجامعات في المؤسسات الصحفية. وتلتها دفعة أخرى كانت كلها من الإناث من قسم الإعلام في جامعة أم درمان الإسلامية: زينب أزرق، نجاة فريجون، نعيمة محمد عثمان، وناديه جفون، إضافة إلى نور تاور من جامعة الخرطوم.
ومنذ ذلك الوقت لم يعد الباب الذي فتحه الكواكب يُغلق، وأثبتت التجربة نجاحها في الارتقاء بالعمل الصحفي و أصبحت الشهادة الجامعية لاحقاً سمة أساسية للتوظيف في الصحف السودانية.
وعند كتابة هذه السطور، كان عدد من الكواكب قد لحقوا بالرفيق الأعلى، عبد الرحمن عبد الباسط، علي صديق، عباس الطاهر، وكان آخر الراحلين نور الدين مدني.
لكن الأثر الذي تركته تلك التجربة لم يرحل. فقد كانت لحظة عبور أولئك الشباب بوابة دار الصحافة في ذلك الصباح من عام 1975 أكثر من مجرد بداية وظيفة؛ كانت بداية مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة السودانية، حين بدأت المهنة تتحول من حرفة يتعلمها أصحابها بالتجربة وحدها، إلى مهنة يرفدها العلم والمعرفة الأكاديمية وكان نجاح هذه الفئة من الكواكب ما فتح الباب علي مصراعيه لمن خلفهم من الجامعيين.




