
د.معاوية عبيد:
كثيرًا ما يتساءل السودانيون في ظل ما تمر به بلادهم من أزمات وحروب وتدهور اقتصادي ومعاناة إنسانية: من هو عدو الشعب السوداني الحقيقي؟ هل هم الجنجويد الذين أشعلوا نار الحرب وأدخلوا البلاد في دوامة من القتل والنزوح والدمار؟ أم هم السياسيون الذين جعلوا السلطة غايتهم الأولى، وانشغلوا بالصراع على الكراسي أكثر من انشغالهم بقضايا المواطنين؟ أم هم المسؤولون الذين أهملوا واجباتهم وسمحوا للفساد أن ينخر في مؤسسات الدولة؟ أم هم التجار الذين استغلوا الأزمات لتحقيق الأرباح الفاحشة على حساب قوت الفقراء؟ أم أن المواطن نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية بسبب ضعف الإنتاج والاتكال وعدم المحافظة على المصلحة العامة؟
إن معاناة الشعوب لا تنشأ عادة من سبب واحد أو جهة واحدة، بل من تراكم أخطاء وممارسات متعددة تتداخل فيما بينها حتى تنتج واقعًا مؤلمًا كالذي يعيشه السودان اليوم.
لا شك أن الحروب والصراعات المسلحة كانت من أكبر أسباب معاناة الشعب السوداني. فقد أدت إلى فقدان الأرواح وتشريد الملايين وتدمير البنية التحتية وتعطيل الإنتاج والخدمات الأساسية. وعندما تتحول البنادق إلى وسيلة لحسم الخلافات السياسية، يصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى. فالطفل الذي حُرم من التعليم، والمزارع الذي فقد أرضه، والأسرة التي نزحت من منزلها، جميعهم يدفعون ثمن الصراعات التي لم يكونوا طرفًا فيها.
وفي الجانب السياسي، فإن كثيرًا من السودانيين يرون أن جزءًا كبيرًا من الأزمة يعود إلى النخب السياسية التي ظلت لعقود طويلة تتصارع حول السلطة والمناصب، بينما تراجعت أولويات التنمية والإصلاح وبناء الدولة ، فالوطن لا ينهض بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى رؤية وطنية تضع مصلحة الشعب فوق المصالح الحزبية والشخصية، كما أن الفساد الإداري والمالي يمثل عدوًا خطيرًا لأي شعب. فعندما تُهدر الأموال العامة، وتُمنح الفرص على أساس المحسوبية لا الكفاءة، وتتراجع الرقابة والمحاسبة، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف الخدمات وانتشار الفقر وتآكل الثقة بين المواطن والدولة. والفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق الأمل في مستقبل أفضل،أما التجار الذين يستغلون الأزمات ويرفعون الأسعار بصورة مبالغ فيها، فإنهم يسهمون في زيادة معاناة المواطنين، خاصة الفئات الضعيفة ومحدودة الدخل. فالتجارة في أصلها رسالة تقوم على الأمانة والصدق وتحقيق المنفعة المتبادلة، لكن الجشع والاحتكار يحولانها إلى وسيلة لاستنزاف المجتمع في أوقات الشدة.
ومن بين التحديات التي تواجه السودان كذلك وجود أصحاب المصالح الضيقة الذين يقدمون منافعهم الشخصية على مصلحة الوطن. فهؤلاء قد لا يظهرون في واجهة الأحداث، لكن تأثيرهم قد يكون كبيرًا في تعطيل مشروعات التنمية وإعادة الإعمار والإصلاح الاقتصادي. وعندما ترتبط المصالح الخاصة باستمرار الأزمات أو الاحتكار أو الفساد الإداري، تصبح التنمية الحقيقية مهددة، وتتأخر المشروعات التي ينتظرها المواطنون لتحسين حياتهم وخدماتهم الأساسية.
إن بعض شبكات المصالح التي تتكون حول النفوذ أو المال أو الامتيازات المكتسبة قد تقاوم أي إصلاحات جادة لأنها ترى فيها تهديدًا لمكاسبها الخاصة. ولذلك فإن نجاح مشروعات البناء والإعمار لا يعتمد فقط على توفر الموارد المالية، بل يحتاج أيضًا إلى إرادة قوية لمكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفردية.
فالوطن لا تبنيه الشعارات ولا المصالح الشخصية، وإنما تبنيه العقول المخلصة والسواعد المنتجة والإدارة الرشيدة التي تجعل رفاه المواطن وتنمية البلاد هدفها الأول والأخير.
ومن القضايا التي لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن معاناة السودان قضية التدخلات والاستهدافات الخارجية. فالسودان بما يملكه من موقع استراتيجي وموارد طبيعية كبيرة ظل محل اهتمام وتنافس من قوى إقليمية ودولية متعددة، تسعى أحيانًا إلى تحقيق مصالحها الخاصة الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية. وقد أدى هذا التنافس في بعض المراحل إلى تغذية الصراعات الداخلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مما أسهم في إطالة أمد الأزمات وتعقيد مسارات الحلول الوطنية.
غير أن الإنصاف يقتضي القول إن التدخلات الخارجية لا تنجح إلا عندما تجد بيئة داخلية هشة تسمح لها بالتأثير. فكلما كانت مؤسسات الدولة قوية، وكانت الجبهة الداخلية متماسكة، وارتفعت درجة الوعي الوطني، تقلصت فرص التدخل الخارجي واستغلال الخلافات الداخلية. ولذلك فإن مواجهة أي استهداف خارجي تبدأ أولًا بتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم العدالة والشفافية وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية والحزبية الضيقة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن المسؤولية لا يكتمل دون النظر إلى دور المواطن نفسه. فبناء الأوطان لا يقع على عاتق الحكومات وحدها. فالإنتاج، واحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، وإتقان العمل، ونبذ القبلية والكراهية، كلها مسؤوليات مجتمعية. وعندما ينتشر التواكل أو اللامبالاة أو التعصب الضيق، فإن ذلك يضعف قدرة المجتمع على مواجهة التحديات.
لكن من الخطأ تحميل المواطن البسيط كامل المسؤولية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبدع وينتج في بيئة تفتقر إلى الأمن والاستقرار والفرص العادلة. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب تكامل الأدوار بين الدولة والمجتمع، وبين القيادة والشعب.
إن العدو الحقيقي للشعب السوداني ليس فئة بعينها بقدر ما هو مجموعة من السلوكيات والممارسات التي أضرت بالوطن عبر السنين: الحرب، والفساد، والطمع، والاستبداد، والانقسام، والكراهية، وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة. هؤلاء هم الأعداء الذين يجب أن تتوحد الجهود لمحاربتهم،
ويبقى الأمل قائمًا في قدرة السودانيين على تجاوز المحن، فقد أثبت هذا الشعب عبر تاريخه الطويل أنه يمتلك من الصبر والإرادة ما يمكنه من النهوض من جديد. ولن يكون ذلك إلا بالوحدة الوطنية، وإعلاء قيم العدالة والشفافية، واحترام القانون، والعمل الجاد من أجل بناء دولة يسودها السلام والتنمية والكرامة الإنسانية.
فإذا كان لكل أمة عدو تتصدى له، فإن عدو السودان الأكبر هو كل ما يفرق أبناءه ويبدد موارده ويمنع تقدمه، أما طريق النجاة فهو في التكاتف والعمل والإخلاص للوطن قبل أي انتماء آخر.
وقد لخّص القرآن ذلك بقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم )، الآية (١١) من سورة الرعد، فإصلاح الأوطان يحتاج إلى مسؤولية مشتركة من الحكام والقادة والمؤسسات والمواطنين جميعًا.




