
خالد الفكي سليمان:
في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات وتضيق فيه مسارات الإمداد، تبرز سلاسل الإمداد الدوائي كأحد أهم مرتكزات بقاء الدولة وقدرتها على حماية حياة مواطنيها. فالقافلة الدوائية التي دشّنتها وزارة الصحة الاتحادية بالتعاون مع الصندوق القومي للإمدادات الطبية إلى إقليم النيل الأزرق، ليست مجرد شحنة أدوية، بل رسالة طمأنة بأن شرايين العافية لا تزال تنبض، وأن مؤسسات الدولة قادرة على استعادة دورها رغم عواصف الحرب.
إن وصول (60) طنًا من الأدوية والمستهلكات الطبية، بما في ذلك أدوية الملاريا، يعكس إدراكًا متقدمًا لأهمية الاستجابة السريعة لاحتياجات الولايات، خاصةً تلك التي تقع في مرمى الأزمات مثل النيل الأزرق وكردفان الكبرى ودارفور. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل بحاجة إلى تأطير استراتيجي شامل يضمن استدامتها ويحولها من استجابات طارئة إلى منظومة راسخة.
تأمين سلاسل الإمداد الدوائي يتطلب أكثر من مجرد تسيير القوافل؛ إنه يستدعي بناء شبكة لوجستية متكاملة، تبدأ بالتخطيط الدقيق للاحتياجات، وتمر بتأمين المخزون الاستراتيجي، ولا تنتهي عند كفاءة التوزيع وعدالته. كما أن معالجة الاختناقات التي تعترض هذه السلاسل – سواء كانت لوجستية أو إدارية أو تمويلية – تمثل حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي للقطاع الصحي.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية وضع استراتيجية وطنية مرنة، قادرة على التكيف مع ظروف الطوارئ، وتراعي خصوصية المناطق الهشة، عبر تعزيز اللامركزية المدروسة، وتفعيل نظم الرقابة والمتابعة، والاستفادة من التقنيات الحديثة في إدارة المخزون والتوزيع.
ولا يمكن إغفال الجهود الكبيرة التي بُذلت في إعادة تأهيل وصيانة المقر الرئيسي للإمدادات الطبية بالخرطوم، بعد ما طاله من دمار ممنهج. فقد شكّلت تلك العودة القوية، بفضل عزيمة وإصرار العاملين، نموذجًا حيًا لقدرة المؤسسات الوطنية على النهوض من تحت الركام، واستعادة دورها الحيوي في خدمة المواطن.
إن معركة الإمداد الدوائي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى؛ فهي معركة حياة، تتطلب تضافر الإرادة السياسية، والكفاءة الإدارية، والدعم المجتمعي. ومتى ما أُحكمت حلقاتها، فإنها ستُسهم بفاعلية في ترميم الجسد الصحي السوداني، وتمهيد الطريق نحو تعافٍ شامل ومستدام.
Khalidfaki77@gamil.com



