مقالات

مؤتمر برلين عن السودان (1-3)

دبلوماسية في مسرح بلا جمهور..

وائل عبدالخالق مالك: 

تمر اليوم ثلاث سنوات على اشتعال الحرب في السودان. وفي كل ذكرى من ذكرياتها الأليمة تُدشَّن قاعة أوروبية جديدة وتُرفع لافتات الحرص على الإنسانية وتُوزَّع بيانات تفيض بمفردات الشمول والتحول المدني والمِلكية الوطنية ثم لا يبقى في نهاية المطاف غير الحبر الذي كُتبت به تلك التعهدات والذي يجف قبل أن يصل إلى أفواه النازحين والجائعين في الجزيرة ودارفور وكردفان.

في الخامس عشر من أبريل 2026 وهي الذكرى الثالثة لاندلاع حرب التمرد في السودان تنعقد أعمال مؤتمر برلين بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية. أما أصحاب الأرض والدم من الشعب والحكومة السودانية فخارج القاعة تمامًا.

هذا هو المشهد الذي يجب أن نتوقف عنده طويلًا. لا بوصفه خللًا بروتوكوليًا عابرًا بل بوصفه نموذجًا فاضحًا للسياسة الدولية حين تتحوّل من أداة للحل إلى صناعة للأزمة.

احتجّت الحكومة السودانية برئاسة د. كامل إدريس رسميًا على عدم دعوتها للمشاركة في مؤتمر برلين. وهو موقف لا يستند إلى عناد سياسي بل إلى أسس قانونية صلبة. إذ سلّمت سفيرة السودان لدى برلين إلهام إبراهيم مذكرة رسمية إلى وزارة الخارجية الألمانية أكدت فيها أن أي نقاش حول السودان دون إشراك الحكومة السودانية يُعدّ انتهاكًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ووزارة الخارجية السودانية شدّدت على رفض أي مساعٍ للتداول بشأن السودان دون مشاركة حكومته وموافقتها لما يمثله ذلك من مخالفة للأعراف الدبلوماسية وميثاق الأمم المتحدة. وذهب رئيس الوزراء د. كامل إدريس إلى أبعد من ذلك حين أكد أن الحكومة هي الأجدر بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات إلى المتضررين من الحرب.

لا أحد يُجادل في حق المجتمع الدولي بالاهتمام بالكارثة الإنسانية السودانية. لكن ثمة فرق شاسع بين الاهتمام الحقيقي وبين اختصار دولة ذات سيادة وجيش وحكومة في 41 شخصية تختارها آليات دولية وفق معايير يصعب تفسيرها إلا بالارتباط بشبكات المانحين لا بالتمثيل الشعبي الحقيقي.

ستُفتح قاعات برلين لنحو 41 شخصية سودانية دُعيت للتحدث باسم الفاعلين المدنيين، وكشف الجدل حول قوائم المدعوين بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان وهو من يمثل المجتمع والشعب السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟. والإجابة التي يقترحها منطق المؤتمر مثيرة للقلق حيث يمثلهم مَن اختارته الآلية الخماسية لا مَن يرتضيه الشعب أو يفوّضه ولا مَن يعيش تحت وطأة الحرب لحظةً بلحظة.

تكشف المسودة الأولية أن الإطار العام للعملية يُرسم خارج السودان قبل انعقاد المؤتمر بلغة توافقية واسعة ترفع شعار عملية سودانية خالصة دون تسمية الأطراف أو تحديد المسؤوليات مع التركيز على مفاهيم عامة كخفض التصعيد والشمول دون إسنادها إلى آليات تنفيذ أو مساءلة واضحة. هنا يظهر التناقض بين الشعار والمضمون بشكل صارخ فكيف تكون العملية سودانية خالصة وهي تُصمَّم في أديس أبابا وبرلين على طاولات لا يجلس حولها سوداني واحد يمثل شعبه؟

الأكثر دلالةً أن المدافعين عن المؤتمر أنفسهم لا يُخفون هشاشته. حيث هناك شبه يقين ثابت بأن القوى المدنية السودانية لم تحضر للمؤتمر الإنساني في برلين بشكل جيد ومؤثر وإنه طالما أن المجتمعين سيناقشون الهدنة الإنسانية كان عليها أن تختار خبراء سودانيين وسودانيات ضمن الحضور. وإذا كان حتى المدافعون عن المؤتمر يعترفون بضعف تحضيره وهشاشة تمثيله فبأي منطق نتوقع منه نتائج تختلف عما سبق؟ هذا هو السؤال الذي سيجيب عنه المقال الثاني: ماذا فعلت المؤتمرات السابقة بالسودان؟ وهل ثمة ما يدعو حقًا إلى التفاؤل بنسخة برلين الثالثة؟

#جيش_واحد_شعب_واحد
#ضد_الجنجويد
#مافي_مليشيا_بتحكم_دوله
#جيشنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى