مؤتمر برلين عن السودان (2-3)

ثلاثية المؤتمرات وصناعة الفشل المتسلسل..
باريس ولندن وبرلين: حلقات في مسلسل لا ينتهي!..
وائل عبدالخالق مالك:
في المقال السابق توقفنا عند شكل مؤتمر برلين وما ينطوي عليه من إشكاليات التمثيل والإقصاء. لكن النقد الأعمق يكمن في المضمون وفي قراءة هذا المؤتمر لا منفردًا بل ضمن سلسلته الأوروبية التي رسم كل حلقة منها ملامح الفشل القادم.
لكي نفهم برلين مضمونًا لا بد أن نقرأه في سياق سلفيه الفاشلَين. قراءةً متجردة ومحايدة حيث كان مؤتمر باريس في 15 أبريل 2024 بهدف حشد دعم دولي للمساعدات الإنسانية للسودان وبلغت التعهدات الدولية فيه حوالي اثنين مليار دولار دون النجاح في التأثير على إيقاف الحرب، وعُقد مؤتمر لندن في أبريل 2025 بهدف استكمال مسار مؤتمر باريس وتُعهِّد فيه بنحو 800 مليون يورو لدعم الجانب الإنساني لكنه أيضًا لم ينجح في إيقاف الحرب. والنتيجة الموثقة أكثر إيلامًا من الرقم نفسه فما تم الالتزام به من التعهدات لم يتجاوز 25% من المستهدف كما أخفق المؤتمران في الخروج ببيان مشترك من القوى السودانية المشاركة بشأن الاتفاق على ترتيبات لتسوية الأزمة السودانية.
ربع التعهدات ولا بيان مشترك ولا هدنة ولا ممر آمن واحد صمد. هذا هو الميراث الذي يرثه مؤتمر برلين وهذه هي الأرضية التي يقف عليها. وفي المقابل تبلغ خطة الاستجابة الإنسانية للعام الجاري نحو اثنين مليار دولار لم يُجمع منها سوى 17% تقريبًا حتى الآن. فأين ذهبت تعهدات باريس ولندن؟
هناك عيب بنيوي قاتل أسهم في فشل مؤتمرا باريس ولندن وفي عدم تحقيقهما اختراق في الحصار الخانق الذي ضربته الحرب على السودان وشعبه. مؤتمران نجحا في الوعود ببذل المليارات على الورق فقط وفجوة التمويل استمرت كما هي دون علاج. العيب هو غياب آليات التنفيذ القادرة على إجبار التمرد وداعميه أو الوصول لتفاهمات مع الحكومة السودانية من أجل وقف إطلاق النار وفتح الممرات الآمنة لتوصيل المساعدات الإنسانية.
هذا هو تشخيص المرض الحقيقي فهو ليس شحّ التمويل وليس ضعف الاهتمام بل انعدام آليات التنفيذ. مؤتمر بلا أسنان تنفيذية هو احتفال دبلوماسي لا أكثر. وبرلين لا تُقدّم جوابًا على هذه المعضلة البنيوية. السودان لم يعد يعاني من نقص الاهتمام الدولي بل من ضعف أثره فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 توالت المبادرات والمؤتمرات: باريس، لندن، والآن برلين. ثلاثية أوروبية تعيد إنتاج المشهد ذاته من حيث الحضور والبيانات اللامعة وتعهدات سرعان ما تتبخر.
مؤتمر برلين 2026 بسياقه الحالي يبدو وكأنه يسعى لإعادة تسويق بضاعة سياسية انتهت صلاحيتها ميدانيًا وشعبيًا. ومصطلح التدوير في السياق السياسي السوداني يعني إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس التحالفات ونفس الصيغ التي أثبتت فشلها منذ عام 2019. وأخطر ما في هذا التدوير أنه يكرّس وهم العمل في مقابل الجمود الحقيقي على الأرض. فبينما يُناقش المؤتمرون في برلين التحول المدني وتوزيع السلطة يواجه المواطن السوداني في الداخل واقعًا مغايرًا تمامًا تتداخل فيه التهديدات الوجودية مع نقص الغذاء والدواء. هذه الهوّة بين قاعة برلين وشوارع الخرطوم وبوادي دارفور هي المأساة الحقيقية. حين يتحدث المؤتمرون عن خارطة طريق للانتقال المدني يبحث الشعب السوداني في معسكرات النزوح عن الأكل والدواء.
وثيقة المؤتمر نفسها تحمل أعمق تناقضاتها في صلب نصوصها. تدعو الوثيقة المشاركين إلى إطلاق نداء جماعي لخفض التصعيد والدفع باتجاه الحوار بين الأطراف السودانية بهدف بلورة فهم مشترك حول ترتيبات الانتقال المدني مع التشديد على ضرورة أن يكون حل الأزمة بمِلكية وقيادة سودانية ومن خلال عملية سياسية شاملة تجسد تطلعات الشعب السوداني. هذا نص جميل ولكن ما الذي يجعل هذه الهندسة ملكية سودانية وهي تُصاغ بمعزل عن الحكومة السودانية وتُطرح على شخصيات اختارتها آليات دولية؟ إن المِلكية الوطنية التي تُكتب بقلم أجنبي ليست مِلكية وطنية بل هي وصاية بثياب المشاركة. والأهم في هذه المسودة هو ما تغفله إذ تخلو من أي إشارة صريحة إلى المحاسبة أو إلى الجرائم الموثقة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة، مقابل تأكيد متكرر على إدماج جميع الأطراف ضمن مسار سياسي واحد ويعكس هذا التغييب توجهًا يقوم على تأجيل العدالة لصالح بناء توافق سياسي هش.
إذًا لا آليات تنفيذ ولا إشارة إلى المحاسبة ولا تمثيل حقيقي. هذه ليست وثيقة سلام بل هي هذه وثيقة تأجيل وتسويف.
في المقال الثالث والأخير سنتوقف عند السؤال الأصعب: ماذا يريد السودان بدلًا من ذلك؟ وما البديل الحقيقي عن مسرح المؤتمرات؟
#جيش_واحد_شعب_واحد
#مافي_مليشيا_بتحكم_دوله
#ضد_الجنجويد
#جيشنا




