مقالات

محمد بابكر يكتب: الفريق الغالي انضباط الدولة حين تختل المعادلات

في لحظة تتراجع فيها مؤسسات وتتعثر فيها المسارات يبرز الفريق الركن د. محمد الغالي علي يوسف بوصفه أحد الذين اختاروا أن يديروا الدولة من داخل التفاصيل لا من فوق الشعارات.
فالرجل بصفته الأمين العام لمجلس السيادة لم يكتفِ بالدور التقليدي بل تحوّل بفعل الحرب إلى محور إداري ولوجستي يضمن استمرار الحد الأدنى من عمل الدولة.
ما يحسب له أولا هو قدرته على فرض الانضباط في بيئة تعج بالفوضى.
إن ضبط تدفق المعلومات و متابعة تنفيذ القرارات ليست مجرد مهام روتينية بل أدوات لإبقاء المؤسسة السيادية متماسكة في ظرف يكاد يطيح بكل شيء.
هذا الانضباط لم يكن خيارا بل ضرورة لعدم انزلاق العمل السيادي إلى حالة شلل كامل.
لكن جهد الغالي لم يتوقف عند الجوانب الإجرائية.
فقد قاد عمليا نموذج (مركز العمل البديل) حيث امتدت مهامه إلى الإشراف على صيانة وتأهيل القصر الجمهوري في رسالة واضحة بأن الدولة رغم الحرب قادرة على استعادة رموزها السيادية.
كما انخرط في ملفات أكثر تعقيدا مثل إدارة الموارد الطبيعية واضعا مسألة ترسيم الحدود في قلب معادلة تقليل النزاعات وتعظيم الاستفادة من الثروات.
في بورتسودان لم يكن حضوره بروتوكوليا بل حمل خطابا عمليا حول التعافي وإعادة الإعمار داعيا إلى شراكات حقيقية مع المجتمع الدولي ومؤكدا أن ما بعد الحرب يجب أن يبنى على رؤية لا على ردود أفعال.

وعلى المستوى الخارجي جاءت لقاءاته الدبلوماسية ومنها مع ممثلي الصين لتعزز رسالة مفادها أن مؤسسات الدولة ما زالت تعمل وأن الانقطاع الكامل ليس خيارا.
حتى في الملفات الرمزية مثل استرداد الآثار السودانية كان حضوره امتدادا لفكرة أعمق استعادة ما سُلب سواء كان أرضا أو مؤسسة أو ذاكرة وطنية.

يظل الفريق الركن د. محمد الغالي أحد الأعمدة الصلبة التي أسهمت في صون هيبة الدولة والحفاظ على استمرارية مؤسساتها في واحدة من أكثر المراحل تعقيدا في تاريخ السودان. فمن خلال انضباطه الإداري ودقته في متابعة الملفات السيادية وحضوره الفاعل في قضايا التعافي وإعادة الإعمار نجح في ترسيخ مفهوم أن السيادة لا تصان بالشعارات وحدها بل بالعمل المؤسسي المتواصل والإدارة الرشيدة في أحلك الظروف.
لقد مثّل دوره داخل مجلس السيادة نموذجا للمسؤول الذي يدرك أن حماية الدولة تبدأ من حماية مؤسساتها وأن بقاء رموزها ومرافقها وقراراتها فاعلة هو جزء أصيل من بقاء الوطن نفسه.
ومن هنا فإن جهوده في المحافظة على تماسك العمل السيادي تظل محل تقدير بوصفها إسهاما مباشرا في تثبيت دعائم الدولة وصون سيادتها في زمن التحديات.

في نهاية المطاف لا تقاس قيمة الرجال في لحظات الاستقرار بقدر ما تقاس في لحظات الانكسار حيث تصبح القدرة على حفظ تماسك الدولة عملا استثنائيا لا يراه الجميع لكنه يُبقي كل شيء قائما. ومن هذا المنطلق يظل الفريق الركن د. محمد الغالي علامة فارقة في إدارة مرحلة شديدة التعقيد استطاع خلالها أن يوازن بين صرامة الانضباط الإداري ومتطلبات الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة.
لقد جسّد في موقعه داخل مجلس السيادة معنى أن السيادة ليست شعارا يُرفع بل منظومة تدار بدقة وتصان بالعمل المتواصل. وبين إدارة التفاصيل الدقيقة وحماية مسار القرارات والإسهام في جهود التعافي وإعادة الإعمار تبرز بصمته كجزء من الجهد الصامت الذي يحول دون انهيار الدولة في أصعب الظروف.
وهكذا فإن حضوره لا يُقرأ بوصفه موقعا وظيفيا فحسب بل كدور في أكبر معادلة لبقاء الدولة واستمرار مؤسساتها رغم العاصفة وهو ما يجعل أثره أقرب إلى الفعل التأسيسي منه إلى العمل الإداري العابر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى