مقالات

طعنة الجوار

دعاش الخير

محمد حسن كبوشية: 

عندما اهتزت الخرطوم على وقع الانفجارات لم يكن الجديد في القصف نفسه، بل في هوية القاصف وطعنة الجوار ، ليرفع الجيش السوداني الستار على تورط مباشر لأديس أبابا في النزاع المسلح ضد السودان وانتهاكاً صارخاً لسيادته و لم يكتفي النظام الإثيوبي بالسماح بانطلاق تلك الهجمات من أراضيه، بل لجأ إلى أسلوب الجحود الذي تفردت به النفوس الضعيف.

فبدلاً من التذكّر لمسيرةٍ تمتد لعقود من الدعم السخي اختارت حكومة ابي احمد في أديس أبابا طريق النكران، متهمة الخرطوم بما هي بريئة منه ليعكس هذا التطور انتقال التوتر بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق منذ اندلاع حرب الكرامة ضد مليشيات الجنجويد .

لقد تناسى هذا الصبي المتهور دور السودان الذي حوّل نفسه طوال العقود الماضية (حكومة وشعباً ) إلى درع واق لإثيوبيا في أزماتها المتعددة ولم يكن وقوفه إلى جارته الشرقية مجرد مواقف عابرة، بل كان سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ممتداً بغير حدود، وهو ما يُلخصه قول الشاعر:
وَمَن يَصْنَعِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ … يُلاقِي الَّذِي لاقَى مُجِيرُ أُمِّ عَامِرِ

ففي الملف الاقتصادي، لم تتردد الخرطوم في منح إثيوبيا (الدولة الحبيسة )حصة في ميناء بورتسودان الاستراتيجي على البحر الأحمر، وهو أكبر منفذ بحري للسودان كان بمثابة شريان حياة للاقتصاد الاثيوبي فكان هذا الامتياز الاقتصادي الفريد تجسيداً مادياً لعلاقة الجوار المميزة.

وعلى الصعيد السياسي والدبلوماسي، دافع السودان بكل ثقل عن قضايا إثيوبيا في المحافل العربية والأفريقية والدولية، محتضناً المصالحة بين أطرافها المتصارعة وداعماً استقرارها الداخلي بأكثر مما دعمت به نفسها. ويقول الشاعر في ناكري المعروف:
أَحَسِن إِلى الناس تَستَعبِد قُلوبَهُم … فَطالَما استَعبَدَ الإِنسانَ إِحسانُ

الأمر الأكثر إيلاماً هو البعد الإنساني الذي جسّده السودان خلال أحلك فترات جاره فقد فتحت الخرطوم ذراعيها لآلاف اللاجئين الإثيوبيين الهاربين من الحروب الأهلية والإقليمية، متحمّلة أعباء (ولا تزال ) إيوائهم وإطعامهم هذا الدعم لم يتوقف عند الحدود،

أما التصعيد العسكري، فقد وصل ذروته اليوم بنيران صديقة لم يتوقعها أحد ، فبعد كل ما قدّمه السودان جواراً ودعماً وتضحية، ها هي المسيرات تحمل الموت والدمار إلى أرض كافأته شراً وحتى في هذه اللحظة، لم يُسدل السودان الستار على باب الحوار، معتبراً أن دماء السودانيين التي أريقت في هذا العدوان لن تكون طعنة نهاية، بل بداية لمراجعة حقيقية لسياسات الجوار.

أخر الدعاش :
يكفي شاهداً أن أبناء الشعب السوداني ما زالوا يرددون قول الشاعر:

لَن تَبلُغَ المَجدَ حَتّى تَلعَقَ الصَّبِرا … وَتَعلَمَ الجَهدَ حَتّى تَقطَعَ الفَلَقا
وَمَن يَكُن يَومُهُ يَوماً يُسِرُّ بِهِ … فَما عَلَيهِ إِذا ما جاءَهُ الغَسَقا

و سيبقى التاريخ شاهداً لا يغفل على صفحاته البيضاء أن السودان لم يكن يوماً جاراً عادياً، بل كان نِعم الصديق الأخ والجار الحفي. أما ما آل إليه حال الجوار اليوم، فهو غدر لا تُطيق له العيون كمداً، ولا الكلمات وصفاً.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى