
طلال مدثر:
القصة تبدأ من حيث لا يتوقع أحد.. من غرفة تحكم.
في تلك الغرفة حيث تومض الشاشات ببيانات الحركة والاتصال كانت مجموعة من المهندسين تخط فصلا جديدا من فصول التحدي المؤسسي.. شركة نظرت إلى الخرائط الممزقة ورأت فيها طرقا جديدة لم تكن موجودة من قبل.. شركة قررت ألا تنتظر انتهاء الحرب لتبدأ في النجاح، في أحيان كثيرة تمر علينا قصص الشركات الكبرى كما تمر عناوين الأخبار، سريعة جافة ومملوءة بالأرقام التي لا تشبهنا، لكن هذه القصة تختلف.
في إبريل 2026 نشرت مجموعة سوداتل للاتصالات نتائجها المالية للسنة المنتهية في ديسمبر 2025، خلف كل رقم في هذا الإعلان شهود على قصة أكبر، مهندس عبر طرقا غير آمنة ليصل إلى برج متوقف وعائلة فتحت هاتفها لتجد الإنترنت ما زال يعمل ومستثمر في أبوظبي توقف ليعيد قراءة الأرقام مرة واثنتين، من غرف التحكم الصامتة إلى أسواق المال الإقليمية تمتد هذه القصة إلى حيث لم يتوقع أحد.. فكيف تحولت هذه الأرقام إلى حكاية؟
بلغ صافي أرباح المجموعة في عام 2025 ما مجموعه 117.5 مليون دولار أمريكي، هذا الرقم يمثل أعلى دخل تشغيلي تحققه المجموعة منذ تأسيسها، هذا الرقم لم يأت مفاجئا، ففي نهاية الربع الثالث من العام نفسه كانت المجموعة قد سجلت إيرادات مجمعة بلغت 327.9 مليون دولار بزيادة 16.2% عن الفترة نفسها من 2024، والأهم أن صافي الربح المتراكم خلال الأشهر التسعة الأولى بلغ 71 مليون دولار بينما كانت المجموعة تسجل خسائر تراكمية في الفترة نفسها من العام السابق، التحول الإيجابي تجاوز 94 مليون دولار خلال تسعة أشهر فقط، وحده هذا الرقم كان كافيا لإخبار المحللين أن نتيجة السنة الكاملة ستكون استثنائية.
وهو رقم قد يبدو للوهلة الأولى مجرد مؤشر مالي في قطاع اعتاد هوامش ربح عالية لكن السياق هو كل شيء، هذه الأرباح تحققت وعواصم الولايات السودانية تتصدر نشرات الأخبار بأخبار القتال والطرق بين المدن مقطوعة والوقود في تناقص والعملة المحلية تفقد قيمتها يوما بعد يوم.
الإيرادات المجمعة بلغت 341.8 مليون دولار بنمو 29% عن العام السابق، أما الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك فقد وصلت إلى 235.7 مليون دولار بهامش 52%، هذه النسبة تحديدا هي ما لفتت انتباه المنصات المالية العالمية المتخصصة لأنها تعكس انضباطا تشغيليا نادرا في بيئة ترتفع فيها تكاليف كل شيء إضافة إلى زيادة الدخل بالطبع.
وحدها شركة سوداني الذراع المحلية للمجموعة سجلت هامش أرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغ 65%.. في لغة الأسواق هذا الرقم يضعها بين أكثر شركات الاتصالات كفاءة في المنطقة كلها، هذا الهامش يختصر قصة كاملة عن شركة تعمل من الداخل حيث الأبراج تتعرض للقصف أحيانا والوقود يصل بصعوبة والفرق الفنية تتنقل في طرق غير آمنة، رغم ذلك حافظت سوداني على شبكتها وحافظت على عملائها وضبطت تكاليفها ورفعت كفاءتها، الرقم 65% يختصر شهادة أعمق وهي أن الحرب لم تنجح في كسر العمود الفقري للاتصالات في السودان.
لكن السؤال الذي أربك المحللين كان مختلفا: كيف قفزت ربحية السهم ستة أضعاف في عام واحد؟
ما أربك المحللين فعلا هو نمو ربحية السهم بواقع ستة أضعاف، هذه القفزة تفسر جزئيا بالانتقال من خسارة العام السابق إلى ربح كبير وهي قفزة رياضية بقدر ما هي تشغيلية، هذا النوع من القفزات نادر في صناعة الاتصالات حتى في أسواق مستقرة فكيف في سوق تعيش حربا؟
حين بحثت منصات مالية متخصصة مثل مباشر المنصة العربية الرائدة في تغطية أسواق المال الإقليمية وديسيفا منصة الاستخبارات المالية الشاملة لأسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن تفسير لهذه القفزة وجدته في مزيج من ثلاثة عوامل، تحسن تشغيلي حقيقي وزيادة ضخمة في الطلب على البيانات والخدمات الرقمية وقرار استراتيجي بإعادة تقييم الأصول غير المتداولة.
رفعت سوداتل قيمة أصولها غير المتداولة من 576 مليون دولار إلى 1.21 مليار دولار، هذه الزيادة لا تمثل أموالا جديدة دخلت الخزينة، هي إعادة تعريف لقيمة ما تملكه الشركة بالفعل، كانت تقول للمستثمرين والدائنين بنيتنا التحتية الحقيقية من أبراج وكابلات ومحطات تساوي أكثر بكثير مما كانت تظهره الدفاتر القديمة، وحين قفزت حقوق المساهمين من 104.7 مليون دولار إلى 766 مليون دولار حدث ما يشبه إعادة ميلاد مالية لشركة كانت دفاترها لا تعكس حجمها الفعلي.
وهنا يبرز سؤال يفرض نفسه على كل من يقرأ هذه الأرقام: هل هذه الأرباح نقدية أم دفترية؟
الجواب المختصر: جزء منها حقيقي تشغيليا وجزء مهم مدفوع محاسبيا، السبب واضح، قفزة حقوق المساهمين من 104 مليون إلى 766 مليون دولار نتجت عن إعادة تقييم الأصول وهي عملية دفترية لا تدخل نقدا إلى الخزينة، إنها رفع للقيمة الدفترية للأصول.. هذا لا يقلل من الإنجاز، يضعه في سياقه الصحيح، لكن القصة لا تتوقف عند حدود المحاسبة، جزء حقيقي من هذه الأرباح تدفق من عمليات المجموعة في أسواق أفريقية واعدة مثل تراخيصها وشبكاتها في غينيا كوناكري وموريتانيا.. هذه الأصول الخارجية تدر تدفقات نقدية حقيقية بالعملة الصعبة تدعم المجموعة الأم في مواجهة انهيار العملة المحلية، جزء من هذه الأرباح هو انعكاس لنجاح استراتيجية التنويع الجغرافي التي تحول استثمارات المجموعة في غرب أفريقيا إلى درع واق وعائد مستدام في آن واحد.
في الأسواق العالمية هذا الإجراء يوصف من قبل المختصين بأنه تحصين للميزانية، الشركة لا تنتظر استقرار العملة المحلية، الشركة تعيد تعريف قيمتها بالدولار وفق معايير السوق فترفع جدارتها الائتمانية وتفتح أبوابا للاقتراض والشراكات كانت موصدة.
ومع ذلك، هل تكفي هذه الأرقام وحدها لرواية القصة كاملة؟
الأرقام المالية وحدها لا تكفي لفهم ما حدث، هناك تفاصيل ميدانية تروي القصة من زاوية أخرى.
في عام 2025 أضافت المجموعة 94 موقعا جديدا لشبكتها ومدت 1586 كيلومترا من كابلات الألياف الضوئية وحدثت 543 موقعا بتقنيات الجيل الرابع المتقدم وتقنيات ماسيف ميمو التي تضاعف السعة دون الحاجة إلى أبراج إضافية، تركزت هذه الأعمال في مناطق يمكن الوصول إليها وعبر مسارات حدودية وبنية تحتية قائمة مما جعل التنفيذ ممكنا رغم تدهور الوضع الأمني في أجزاء أخرى من البلاد.
حين تتخذ شركة قرارا بضخ هذا الحجم من الاستثمار في البنية التحتية وسط حرب فهي تفعل ذلك وهي تنظر إلى أبعد من موسم مالي واحد، هي تراهن على أن السودان الذي سينهض من هذه الحرب سيحتاج إلى شبكة اتصالات حديثة وجاهزة وأن من يبنيها الآن سيكون في المقدمة حين يأتي ذلك اليوم.
الشركة التي تملك أصولا بقيمة 1.2 مليار دولار وتستثمر في تحديث 543 موقعا لتقنيات LTE تؤكد أن البنية التحتية للاتصالات هي القاطرة الحقيقية للاقتصاد البديل، وفي قطاع الاتصالات الاستمرارية أثناء الحرب مؤشر قوة مؤسسية، هذه الشركة حافظت على التشغيل وحافظت على العملاء وحافظت على التدفقات التشغيلية ورفعت الربحية، إنجاز مؤسسي كبير جعل المنصات المالية المتخصصة تصف أداء سوداتل بأنه حالة دراسية في إدارة الأزمات، الشركة وسعت عملياتها وراهنت على المستقبل.
لكن إلى أين تمتد هذه الرهانات؟
وهنا تأتي القطعة الأكثر دلالة في هذه الصورة، في فبراير 2026 وقعت سوداتل اتفاقية ثلاثية مع إثيو تيليكوم واتصالات جيبوتي لإطلاق مبادرة هورايزون فايبر وهو مشروع ألياف ضوئية عابر للحدود بسعات تيرابت يربط محطات الكابلات البحرية في جيبوتي عبر إثيوبيا وصولا إلى السودان.
الاتفاقية تعني تحولا في نظرة سوداتل إلى نفسها، هي الآن تعيد تعريف موقعها في خريطة البيانات الإقليمية، الطريق البديل الذي تخلقه للبيانات بين شرق أفريقيا والعالم يجعلها ناقل الناقلين وهو توصيف تقني يعني أنها ستوفر بنية تحتية تعبرها بيانات شركات ودول كاملة.
في أكتوبر 2025 وقبل أشهر من إعلان النتائج المالية القياسية جلس مجدي طه الرئيس التنفيذي لمجموعة سوداتل إلى الرئيس السنغالي في داكار، اللقاء حمل في طياته اعترافا صريحا بالدور الذي تلعبه إكسبريسو السنغال ذراع المجموعة هناك في دفع أجندة التحول الرقمي في البلاد، وجاء هذا الاعتراف قبل شهور من إعلان النتائج المالية القياسية، كأن الرئيس السنغالي كان يقرأ ما لم تقله الأرقام بعد، كأنه كان يرى في الرجل القادم من بلد الحرب ما هو أبعد من شركة اتصالات، أن تفتح دولة سنغالية أبوابها الرئاسية لرئيس تنفيذي قادم من شركة مقرها في سودان الحرب فهذه إشارة واضحة إلى أن سوداتل صارت كيانا يتجاوز حدودها الجغرافية الأصلية، الحرب فرضت عزلة على الخرطوم لكن داكار كانت تقول شيئا آخر، هذه الشركة أصبحت لاعبا معترفا به في رسم ملامح الاقتصاد الرقمي لقارة كاملة، المشهد بكل تفاصيله الأفريقية الخالصة حيث تلتقي شركة سودانية المولد بدولة سنغالية الطموح يقدم الدليل الأكثر إقناعا على أن استراتيجية التوسع الخارجي خرجت من مربع الشعارات إلى أرض الواقع، تحركات دبلوماسية رفيعة المستوى كهذه هي ما يؤسس لمرحلة جديدة مرحلة لم تعد فيها سوداتل رهينة سوقها المحلي وحده.
في غرب أفريقيا حيث تدير المجموعة فروعها عبر ذراعها إكسبريسو الوضع مختلف، إلى جانب السنغال تتوزع عملياتها على عدة أسواق واعدة، في غينيا كوناكري تساهم المجموعة في ربط البلاد بشبكات الكوابل البحرية، وفي موريتانيا تعمل تحت العلامة التجارية شينغيتل لتقديم خدمات الاتصالات، لكن في بعض هذه الأسواق واجهت المجموعة تحديات تنافسية كبيرة، في السنغال على سبيل المثال انخفضت الحصة السوقية إلى 14.14% مع تراجع قاعدة المشتركين 12% بفعل منافسة شرسة من أورنج وياس، لكن حتى هنا الاستراتيجية تغيرت، توقفت سوداتل عن مطاردة المشتركين الجدد، صارت تركز على الاحتفاظ بالمشتركين الحاليين وتنمية خدمات الدفع عبر الهاتف المحمول حيث الهوامش أعلى والمنافسة أقل حدة، استراتيجية التنويع الجغرافي لا تعني النجاح في كل سوق على حدة، جوهرها تحويل الاعتماد من سوق محلي متعثر إلى محفظة أسواق متنوعة حيث تعوض الأرباح من أسواق مثل غينيا وموريتانيا التراجع في أسواق أخرى مثل السنغال.
لكن كل هذه الأرقام وكل هذا التفاؤل يطرح سؤالا لا مفر منه: هل صمدت هذه النتائج أمام عيني مدقق حسابات مستقل؟
حين صدر تقرير المدقق المالي المستقل عبر منصة الإفصاحات في سوق أبوظبي للأوراق المالية كان السؤال الذي يهم المستثمرين: هل هذه الأرباح حقيقية؟ هل يمكن الوثوق بالأرقام في ظل حرب تعزل المواقع وتقطع الطرق وتعطل أنظمة التوثيق؟
لفهم أهمية هذا التقرير علينا أن نبدأ من الأساس، تقرير المدقق المالي هو الوثيقة التي يصدرها مراجع حسابات خارجي مستقل بعد فحص القوائم المالية للشركة ليقول للمساهمين والمستثمرين: هل هذه الأرقام يمكن الاعتماد عليها؟ بصيغة أبسط: الشركة تقول ربحنا 117.5 مليون دولار والمدقق يأتي ليفحص الأدلة والمستندات ويجيب، هل هذا الرقم صحيح؟ هل توجد مبالغات؟ هل هناك أصول غير مؤكدة؟ هل توجد مخاطر مخفية؟ في حالة سوداتل تقرير المدقق مهم جدا لأن الحرب تجعل التحقق الميداني من بعض الأصول أكثر صعوبة.
إن نشر هذه النتائج عبر منصة إفصاحات سوق أبوظبي للأوراق المالية وصدور تقرير المدقق المالي المستقل يمنح هذه الأرقام صبغتها الرسمية والموثوقة، التقرير أكد سلامة النتائج المعلنة، الرأي الذي أصدره المدقق اعترف بقوة الأداء التشغيلي ومرونة البنية المؤسسية، الإيرادات مرت عبر التدقيق، الربحية التشغيلية مرت عبر التدقيق، صافي الربح مر عبر التدقيق.
نعم هناك تحفظات، والتحفظ في حالة الحرب قد يكون طبيعيا، في شركات تعمل داخل بيئات نزاع يواجه المدقق قيودا عملية، عدم القدرة على زيارة المواقع وصعوبة جرد الأصول وانقطاع الوثائق أو الأنظمة ومخاطر أمنية، في هذه الحالات إصدار رأي متحفظ أقرب إلى إجراء تحفظي مهني ويختلف كليا عن الاتهام، المدقق حين لا يستطيع زيارة موقع ميداني بسبب خطر أمني يوثق ذلك، هذا لا يعني أن الموقع غير موجود أو أن الأرباح وهمية، هذا يعني أن درجة التأكد أقل في بعض البنود ويبقى جوهر القصة صحيحا، رغم هذه التحفظات الناتجة عن صعوبات التحقق الميداني في مناطق النزاع فإن سبب الأرباح الأساسية يعتمد على الإيرادات والتدفقات التشغيلية التي مرت عبر التدقيق لا على هذه البنود المحفوظة.
الفرق بين مشكلة تشغيلية ومشكلة تحقق جوهري، التقرير لا يقول إن الشركة خاسرة، لا يقول إن الأرباح مضخمة، يقول إن بعض الأصول تعذر التحقق الميداني الكامل منها وهي حقيقة مفهومة في سياق الحرب وتعترف بها كل معايير التدقيق الدولية حين تواجه بيئات نزاع.. اذا كان لديك مثلا منزل لكن خبير التقييم العقاري لم يستطع دخوله بسبب ظرف أمني فهذا لا يعني أن المنزل غير موجود بقدر ما يعني أن درجة التأكد أقل.
المستثمر الذكي لا ينظر إلى الربح فقط، هو يسأل أسئلة أعمق، هل الربح نقدي؟ هل دخلت سيولة فعلية؟ هل التدفقات النقدية التشغيلية قوية؟ هل الديون تحت السيطرة؟ وهل إعادة تقييم الأصول رفعت الميزانية شكليا؟ هذه الأسئلة هي ما يفصل بين القارئ العابر والمحلل المدقق، وحين نطرحها على حالة سوداتل نجد أن الأداء التشغيلي صلب والتدفقات النقدية حقيقية والتحفظات مفهومة في سياقها.
المقارنة بين سوداتل وشركات تعمل في بيئة مستقرة قد تدفع البعض إلى القلق من هذه التحفظات، لكن حين نضع الشركة في سياقها الحقيقي داخل حرب مستعرة تصبح الصورة مختلفة تماما، النتائج قوية جدا والتحفظات متوقعة، في هذه الزاوية بالتحديد تكمن العدالة في التقييم.
وهنا أيضا تكمن القاعدة الذهبية في قراءة أخبار الشركات، البيان الصحفي هو رواية الشركة عن نفسها، تقرير المدقق هو الاختبار المستقل لهذه الرواية، لذلك يبدأ المستثمرون المحترفون بتقرير المدقق قبل قراءة البيان الصحفي.
وهنا ينتقل السؤال من قاعات التداول إلى الشارع: ماذا عن المواطن؟
في بلد يعاني مواطنوه من ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول من الطبيعي أن تطرح أسئلة صعبة، أرباح بهذا الحجم في هذا التوقيت هل تعني أن الشركة رفعت أسعارها على حساب الناس؟
الأرقام تقول شيئا آخر، الإيرادات زادت بنسبة تتراوح بين 16% و19% بينما قفزت الأرباح من خسارة 23 مليون دولار في 2024 إلى ربح 117.5 مليون دولار في 2025، التحول من تلك الخسارة إلى ربح صاف يتجاوز المائة مليون دولار في عام واحد يمثل ثورة إدارية حقيقية، هذه القفزة جاءت من الخروج من دائرة الخسائر إلى دائرة التوازن أولا ثم الربحية ثانيا.
حين كانت الشركة تقدم خدمات مجانية أو شبه مجانية في فترات الحرب تراكمت الخسائر، في فترة الخسائر راهنت سوداتل على استمرار الدعم المؤسسي والاستثمارات الخارجية على أمل أن يعود الطلب والربحية حين تهدأ وتيرة الحرب، وحين حسنت كفاءتها وزاد الطلب على البيانات والخدمات الرقمية تحولت الخسائر إلى أرباح، المسألة أقرب إلى ميزان كان مائلا في اتجاه ثم عاد إلى نقطة التعادل ثم مال قليلا في الاتجاه الآخر، الاعتماد على الخدمات الرقمية أصبح هو الخيار الوحيد والمستدام.
الشركة تدفع تكاليف ضخمة، وقود للمولدات وصيانة للأبراج ورواتب لآلاف الموظفين وضرائب ورسوما حكومية، الربح هو ما يتبقى بعد كل هذا، الربح هو الضمان الوحيد لاستمرار وجود الإشارة في هاتفك المحمول وسط هذه الظروف، والخدمة التي تقدمها الشركة بعيدة كل البعد عن الرفاهية، في سودان الحرب الاتصال بالإنترنت هو الفصل الدراسي للطلاب وسوق العمل للموظفين وقناة التحويلات المالية للعائلات ومنصة الخدمات الحكومية للمواطنين.
وسط كل هذا يبقى سؤال أخير: إلى أين تذهب هذه الأرباح؟
حجم الإنفاق الرأسمالي للمجموعة بلغ 168.6 مليون دولار في عام 2025، هذا الرقم في سياق سوداني يحمل في طياته رهانا على أن هذا البلد سيعود.
حين تمد شركة كابلات ألياف ضوئية في مناطق لا تعرف متى ستعود إليها الكهرباء وحين تشتري ترددات إضافية وتحدث مواقع بأحدث التقنيات وحين توقع اتفاقيات عبور بيانات مع دول الجوار فهي تفعل شيئا واحدا: تزرع البذور قبل أن ينتهي الشتاء.
سوداتل في 2025 كانت تتحرك وكأن السلام قادم لا محالة، وربما هذا هو السر الحقيقي وراء الأرقام التي أربكت المحللين وأبهرت المنصات المالية العالمية، أثبتت سوداتل أنها قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص للنمو وأن المؤسسات الوطنية الكبرى تظل صامدة طالما امتلكت الرؤية والإرادة للعبور نحو المستقبل، شركة قررت أن تنمو في الاتجاه المعاكس للحرب، وحين نظرت إلى المستقبل لم تر أنقاض الحاضر، رأت الأساس الذي سيقوم عليه الغد وما أجمله من غد بإذن الله.




