مقالات

من عنتيبي إلى جوبا.. كيف تمددت الحرب السودانية خارج حدودها؟

بقلم/ رانيا عمر: 

لم تعد الحرب السودانية شأناً داخلياً معزولاً كما بدت في أيامها الأولى، بل تحولت تدريجياً إلى ملف إقليمي مفتوح تتداخل فيه الحسابات السياسية والأمنية ومسارات النفوذ. ومع اتساع رقعة الحرب وتعقّد خطوطها العسكرية، بدأت بعض العواصم الإقليمية تتحرك بطريقة تتجاوز حدود الوساطة التقليدية، لتقترب أكثر من مناطق التأثير المباشر في المشهد السوداني.
ولم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني بقائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” في عنتيبي يوم 20 فبراير الماضي حدثاً عابراً في هذا السياق. فاللقاء، الذي أثار احتجاجاً رسمياً من الحكومة السودانية، أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل يتصاعد بهدوء منذ اندلاع الحرب: إلى أي مدى ما تزال بعض العواصم الإقليمية تتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها أزمة داخلية، لا حرباً تهدد استقرار الإقليم بأكمله؟
لكن عودة الملف إلى الواجهة خلال الأيام الأخيرة لم ترتبط باللقاء نفسه بقدر ما ارتبطت بتقارير متداولة تحدثت عن رفض جوبا تمرير شحنات يُعتقد ارتباطها بمسارات إمداد لمليشيا الدعم السريع، وهو ما فجّر مجدداً حالة من التوتر السياسي غير المعلن داخل الإقليم، وأعاد فتح الأسئلة حول طبيعة التحركات التي تجري بعيداً عن الأضواء في ملف الحرب السودانية.
الخرطوم نظرت منذ البداية إلى استقبال قائد مليشيا متمردة باعتباره خطوة تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية، خصوصاً في ظل حرب تخوضها الدولة السودانية ضد قوة مسلحة متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة وتدمير ممنهج للبنية المدنية في عدد من المدن السودانية. ولذلك لم يكن الجدل متعلقاً باللقاء وحده، بقدر ما كان متعلقاً بالرسائل السياسية التي حملها توقيته وطبيعته.
ورغم أن أوغندا قدمت اللقاء باعتباره جزءاً من تحركات مرتبطة بالحوار الإقليمي ووقف الحرب، فإن النقاش داخل السودان اتجه سريعاً نحو زاوية أخرى أكثر حساسية: طبيعة العلاقة بين بعض العواصم الإقليمية والمليشيات المسلحة، وحدود الفاصل بين الوساطة السياسية ومنح الغطاء السياسي لقوى تخوض حرباً ضد الدولة السودانية.
هذا الجدل أعاد الاهتمام أيضاً بموقع جنوب السودان داخل المشهد، ليس فقط بسبب الجغرافيا، وإنما بسبب حساسية خطوط العبور والإمداد التي أصبحت جزءاً أساسياً من الحسابات العسكرية والسياسية المرتبطة بالحرب. فالحرب السودانية لم تعد تتحرك فقط داخل جبهات القتال، بل أصبحت تتحرك أيضاً عبر شبكات النفوذ، والمعابر الحدودية، والتحالفات الإقليمية التي تحاول التأثير في موازين القوة على الأرض.
وفي قلب هذه التعقيدات تقف جوبا في موقع شديد الحساسية. فجنوب السودان يرتبط بالسودان بعلاقات متشابكة تتداخل فيها الحدود بالنفط والتجارة والملفات الأمنية، وهو ما يجعل أي اضطراب واسع داخل السودان ينعكس تلقائياً على الداخل الجنوب سوداني نفسه.
ولهذا تبدو جوبا حريصة على تجنب الانخراط المباشر في الحرب، لكنها في الوقت ذاته تواجه ضغوطاً متزايدة من بيئة إقليمية تتحرك بسرعة، وتتشابك فيها المصالح السياسية مع الحسابات الأمنية بصورة تجعل هامش المناورة أكثر ضيقاً.
كما أن التقارير المتداولة بشأن رفض تمرير شحنات مرتبطة بمسارات الإمداد أظهرت حجم الحساسية التي بات يثيرها هذا الملف داخل الإقليم، لأن مسارات العبور لم تعد مجرد تفاصيل لوجستية، بل أصبحت جزءاً من معادلة التأثير في مسار الحرب نفسها.
لكن أخطر ما كشفته الحرب خلال الشهور الماضية ليس فقط حركة السلاح أو تعقيدات الحدود، بل الطريقة التي بدأت بها بعض الأطراف الإقليمية في التعامل مع المليشيات المسلحة باعتبارها مكونات سياسية موازية للدولة الوطنية. وهذه ليست مسألة تخص السودان وحده، بل ترتبط بمفهوم الدولة نفسها داخل الإقليم.
ومع اتساع هذا النوع من التحركات، لم يعد الجدل داخل السودان مقتصراً على الجوانب العسكرية للحرب، بل امتد إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية تعامل بعض الأطراف الإقليمية مع الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية.
سيادة السودان ليست ملفاً تفاوضياً
السودان لا يواجه اليوم مجرد تمرد مسلح، بل يواجه أيضاً واقعاً إقليمياً معقداً تحاول فيه بعض القوى إعادة صياغة التوازنات السياسية عبر التعامل مع المليشيات المسلحة خارج الأطر الرسمية للدولة السودانية.
واستقبال قادة المليشيات ومنحهم مساحات حركة سياسية خارج الحدود لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً دبلوماسياً عادياً، لأن مثل هذه التحركات تمنح إشارات سياسية خطيرة، وتفتح الباب أمام إضعاف مفهوم الدولة الوطنية في الإقليم كله.
الدول التي تسمح بمرور الفوضى عبر حدود الآخرين تكتشف لاحقاً أن النار لا تتوقف عند حدود الجغرافيا. فالسلاح حين يعبر سراً، تعبر معه الفوضى علناً، وتصبح المنطقة بأكملها أمام واقع هش يصعب احتواؤه.
الخطر الحقيقي في هذا النوع من الحروب لا يكمن فقط في اتساع رقعتها العسكرية، بل في تحوّلها تدريجياً إلى بيئة تسمح بإعادة إنتاج المليشيات كأدوات نفوذ إقليمي. وحين تبدأ بعض العواصم في التعامل مع الجماعات المسلحة خارج شرعية الدولة، فإن الأزمة تتجاوز حدود السودان لتصبح تهديداً مباشراً لفكرة الاستقرار في الإقليم كله.
الخلاصة
فرضت الحرب السودانية واقعاً جديداً تجاوز حدود الجغرافيا السودانية نفسها، وأصبحت العواصم المجاورة جزءاً من مشهد تتداخل فيه السياسة بالأمن وخطوط الإمداد بحسابات النفوذ. وما بين عنتيبي وجوبا، لم يعد السؤال متعلقاً فقط بمسار الحرب داخل السودان، بل بكيفية تمددها إلى الإقليم، وبالثمن الذي قد تدفعه المنطقة كلها إذا استمرت بعض الأطراف في التعامل مع المليشيات المسلحة باعتبارها أدوات سياسية قابلة لإعادة التدوير.
السودان اليوم لا يدافع فقط عن حدوده، بل يدافع عن فكرة الدولة في مواجهة منطق المليشيات والفوضى العابرة للحدود.

17 مايو 2026

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى