ترامب يهدد من جديد.. لكن هل ما زالت واشنطن تملك رفاهية الحرب؟

بقلم ـ رانيا عمر:
ليست أخطر اللحظات حين تُطلق القوى الكبرى تهديداتها، بل حين تضطر إلى تكرارها باستمرار كي تُقنع العالم بأنها ما زالت قادرة على التنفيذ.
وهكذا بدا المشهد الأمريكي خلال الساعات الأخيرة.
منذ مساء 17 مايو 2026، بدأ دونالد ترامب سلسلة من التصريحات المتلاحقة عبر منصة “تروث سوشيال”، تحدث فيها عن أن “الوقت ينفد” أمام إيران، ثم عاد بعد أقل من ساعة ليقول إن “صبره ينفد”، قبل أن يلوّح، في تصريحات للقناة 12 العبرية، بأن واشنطن “ستضرب بقوة” إذا لم يصل المقترح الإيراني الجديد إلى المستوى المطلوب أمريكياً.
هذا التدفق في الخطاب بدا أقرب إلى استعراض توتر سياسي منه إلى مقدمة قرار عسكري محسوب.
فالدول التي تمتلك زمام المبادرة تتحرك بصمت، أما الدول التي تواجه ارتباكاً فتُكثر من الكلام.
ولم يعد السؤال مرتبطاً بما يقوله ترامب، بل بما إذا كانت واشنطن قادرة فعلاً على تحويل هذا الخطاب إلى فعل دون أن تدخل في كلفة سياسية واقتصادية تتجاوز قدرتها على الاحتمال.
في هذا السياق تبدو الصورة الدولية مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبل عقدين.
فالولايات المتحدة لا تتحرك اليوم من موقع الهيمنة المطلقة الذي تشكل بعد الحرب الباردة، بل ضمن بيئة دولية أكثر تشابكاً وارتفاعاً في الكلفة الاستراتيجية لأي مواجهة عسكرية.
وتتجاوز القيود البعد العسكري المباشر، إذ تمتد إلى الداخل الأمريكي نفسه، حيث يضغط الاقتصاد بحدة متزايدة على أي قرار بالتصعيد الخارجي.
فأسعار الطاقة عادت إلى الارتفاع منذ موجة التوتر الأخيرة في أبريل 2026، في وقت تتصاعد فيه مؤشرات التضخم وتزداد فيه حساسية الناخب الأمريكي تجاه كلفة الانخراط في النزاعات الخارجية.
ومع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية، تدرك الإدارة الأمريكية أن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط لن تبقى خارج حدودها الجغرافية، بل ستنعكس مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والسياسي في الداخل.
في المقابل، تتحرك إيران بمنطق مختلف؛ فهي لا تتعامل مع الأزمة بوصفها خلافاً دبلوماسياً قابلاً للاحتواء السريع، بل بوصفها صراع توازنات وجودية.
ولهذا ترفع طهران سقف رسائلها السياسية والعسكرية دون أن تتجاوز لحظة الانفجار الشامل.
ومن هنا يمكن فهم التطورات الأمنية الأخيرة في المنطقة.
فعندما تعرض محيط محطة براكة النووية في منطقة الظفرة الإماراتية، صباح 18 مايو، لهجوم محدود وسط اتهامات غير مباشرة لطهران أو أطراف مرتبطة بها، لم يُقرأ الحدث كواقعة منفصلة، بل كإشارة إلى أن أي مواجهة مقبلة قد تمتد إلى البنية الحيوية للطاقة في الخليج بأكمله.
وفي السياق ذاته، أعاد الحادث الذي وقع قرب بيت شيمش غرب القدس يوم 16 مايو، داخل نطاق مرتبط بمصنع “تومير” لمحركات الصواريخ وقاعدة “سدوت ميخا”، المشهد إلى حالة من الغموض والتأويلات المتباينة، رغم التفسير الرسمي الذي تحدث عن “اختبار صاروخي روتيني”.
غير أن طبيعة الحدث وتوقيته جعلا التساؤلات أكثر حضوراً من الإجابات.
هذه التطورات مجتمعة تعكس حقيقة واحدة: المنطقة تتحرك داخل مساحة شديدة الحساسية، حيث ترتفع حدة التهديدات دون أن تصل الأطراف إلى قرار الحرب المفتوحة.
حتى إسرائيل، التي تضغط باتجاه تشديد المواجهة مع إيران، تبدو اليوم أكثر انشغالاً بإدارة الاستنزاف المتعدد الجبهات من قدرتها على الذهاب إلى تصعيد واسع.
فالجبهة الشمالية تفرض ضغوطاً مستمرة، بينما تتزايد التحذيرات الداخلية من حرب طويلة لا يمكن التحكم بمسارها بسهولة.
وفي موازاة ذلك، يتراجع الخطاب الإسرائيلي من نبرة الحسم إلى نبرة الحذر، في انعكاس مباشر لتغير ميزان القدرة لا فقط ميزان الخطاب.
وفي الخلفية، تتحرك قوى دولية كبرى بهدوء محسوب.
فالصين تعمّق شراكتها الاستراتيجية مع طهران، بينما تستعد موسكو لزيارة رفيعة المستوى تعكس استمرار إعادة تموضعها في المشهد الدولي.
ورغم المبالغة المتكررة في الحديث عن “نهاية الهيمنة الأمريكية”، فإن المؤكد أن البيئة الدولية لم تعد تمنح واشنطن حرية الحركة ذاتها التي تمتعت بها في العقود الماضية.
لم تعد القوى الكبرى تكتفي بالمراقبة، بل باتت تشارك في إعادة تشكيل ميزان النفوذ في أكثر من ساحة، ما يحدّ من قدرة أي طرف منفرد على فرض مساره الكامل.
ومن هنا تبدو المنطقة أقرب إلى حالة “عضّ أصابع” طويلة، حيث يرفع الجميع سقف التهديدات، لكن إدراك كلفة الحرب يجعل قرار الانفجار مؤجلاً باستمرار.
أما ترامب، الذي يحاول الظهور بمظهر القائد الحاسم، فيواجه واقعاً أكثر تعقيداً من خطابه السياسي.
فالرئيس الذي وعد بإعادة الهيبة الأمريكية يكتشف أن العالم لم يعد كما كان في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
الإمبراطوريات لا تبدأ بالانحدار عندما تخسر الحروب، بل عندما تضطر إلى تكرار تهديداتها كي تُقنع الآخرين بأنها ما زالت قادرة على الفعل.
18مايو 2026




