
الساقية برس ـ إخلاص نمر:
فيديو متداول في الوسائط الاجتماعية للصحفي النابه الزين كندوة، يحكي عن حرائق كثيفة في بعض قرى ولاية شمال كردفان، يصف الزين الحرائق بدقة وكيف أنها قضت على منازل المواطنين المكونة من قش القصب والنال والمحريب وقصب الدخن في كل من مناطق (البزعة، أم صيقعون الجاك، أم سعيدة، أم سيال وابوقرين وقرية جلي والبنية الشيخ الزين وأم سريحات، وكندوة أحمد والرحمانية) وغيرها.
https://www.facebook.com/reel/1278580057247938/?mibextid=9drbnH
أعلاه رابط فيديو الصحفي الزين كندوة
ترك الحريق الذي يحدث سنويا بين شهري مارس ومايو وفق الفيديو،أكثر من علامة استفهام على أرض الواقع ، وحيرة على وجوه السكان، الذين يقفون مكتوفي الأيدي أمام الحدث المتكرر.
في هذا التقرير تستنطق (الساقية برس) بعض المواطنين (شهود العيان ) وبعض المختصين وربما وقبل الطبع يكون الحل حاضرا لمواطني المناطق المتأثرة.
لم نوفق في الوصول إلى والي الولاية الاستاذ عبدالخالق عبداللطيف رغم اتصالنا المتكرر.
ولاية شمال كردفان هي إحدى ولايات السودان الوسطى وعاصمتها الأبيض التي تعتبر مركزا تجاريا واقتصاديا مهما تسكنها قبائل متعددة، ومن أهم مدنها ام روابة، الرهد، سودري، المزروب، حمرة الشيخ وحمرة الوز وغيرها.
ومناخ الولاية يتدرج من السافنا المتوسطة إلى شبه صحراوي في الأجزاء الشمالية، بينما الغطاء النباتي يزداد كثافة كلما اتجهنا جنوبا، والحرفة الرئيسية للسكان هي الزراعة والرعي، و يحد الولاية من الشمال الولاية الشمالية وولاية نهر النيل، ومن الشرق ولاية الخرطوم والنيل الأبيض، ومن الجنوب ولايات جنوب وغرب كردفان ومن الغرب ولاية شمال دارفور وولاية غرب دارفور.
البداية..
يشرح الصحفي كندوة بإسهاب ما يحدث سنويا في قرى شمال محلية أم روابة قائلا (تعاني القرى من اندلاع الحرائق المجهولة المصدر بين شهري مارس ومايو في منازل المواطنين المشيدة من القش والحطب، وتتسبب في خسائر جمة للممتلكات والمدخرات والمحاصيل النقدية) ويضيف الزين (لم يجد السكان حلا ولا سببا للحرائق السنوية ولا جهة تعالج المشكلة وتعمل على مساعدة السكان في إعادة بناء بيوتهم ، فالحرائق قبل أن تكلف السكان ثمنا باهظا، فهي تكلف الدولة أكثر، وذلك لأن السكان يتجهون لقطع الغابات خاصة شجرة الهشاب مصدر إنتاج الصمغ العربي ، لإعادة بناء المنازل التي راحت ضحية الحرائق.)
الشجرة الكنز..
تمثل شجرة الهشاب الركيزة الأساسية لاقتصاد ولاية شمال كردفان، فهي موطن إنتاج الصمغ العربي الرمز الحقيقي للاستقرار البيئي ومصدر الدخل لبعض المزارعين في الولاية، فالشجرة تنتج أجود انواع الصمغ العربي عالميا وهو المحصول النقدي الذي يدعم الدخل القومي والمحلي، وتلعب شجرة الهشاب دورا محوريا في مكافحة التصحر وزحف الرمال، خصوبة التربة، والتوازن البيئي.
وتؤكد الدكتورة فاطمة رملي، مدير إدارة الأصناف الطبيعية ومنتجات الغابات غير الخشبية بالهيئة القومية الغابات أهمية الحفاظ على الغابات وتقول لـ (الساقية برس): “لابد من حماية غابات الهشاب بشمال كردفان وهذه ليست مسؤولية الهيئة القومية للغابات وحدها، بل هي قضية أمن قومي بيئي تتطلب تضافر الجهود المجتمعية، لأن شجرة الهشاب هي النواة العالمية لإنتاج الصمغ العربي، ورغم ذلك تواجه زحف الفؤوس، ما يجعل قطاع الغابات أمام تحد مصيري؟”.

أبو كليقة..
يوضح الباشمهندس جيولوجي ابراهيم حماد رباح الذي يسكن منطقة البزعة —تقع المنطقة التي تضم أكثر من 120قرية في محلية ام روابة ومن قراها ام صيقعون الجاك، ام سعيدة ،ود دقدق ،ام سيالة ود ابو عوة، كرو العمدة ،ام صيقعون الجنيد وغيرها —-يوضح أن المنطقة شهدت حرائق متكررة لمنازل القش والرواكيب ،منذ العام 2008 إلى العام 2026، في أشهر محددة ولا أحد يعرف الأسباب أو الحقائق حول مصدر الاشتعال.
ويضيف حماد لــ الساقية برس قائلا (تندلع الحرائق فجأة وتستمر لأسابيع متواصلة ففي أم سريحة وحدها في هذا العام قضت الحرائق على 22 منزلا ).
ويشير ابراهيم إلى تفسير مطروح يتداوله البعض وهو أن هنالك جزء من نتائج بعض الدراسات، التي أشارت إلى وجود بكتيريا تفرز مواد زيتية تتفاعل مع حرارة الطقس وتؤدي إلى اشتعال القش، بجانب تفسير آخر سببه انبعاث غاز الميثان، نظرا لطبيعة المنطقة.لكن التفسير الأكثر شيوعا بين الأهالي وفق ما ذكر رباح أن سبب الحرائق هو كائنات غير مرئية يطلق عليها (أبوكليقة)، هي من تحرق المنازل في هذه الشهور من السنة .
ويرى إبراهيم اندلاع الحريق الذاتي ربما يعود إلى طبيعة المنطقة الجيولوجية وتركيز الصوديوم والفوسفات وملوحة المياه العالية.
دورة مياه..
وينبه المواطن فضل الله حبيب الله من قرية كندوة احمد ، محلية ام روابة، إلى أن منزله قد اشتعلت فيه الحرائق في نهار قائظ حيث كانت حزم مترادمة من قش الدخن تتوسط الفناء الخارجي للمنزل، وفي رده على سؤال (الساقية برس) يقول حبيب الله: “ربما السبب الأرض نفسها فلقد وضعت حزم القش على أرض كان مشيدا عليها من قبل دورة مياه”.
فاعل..
يوضح المواطن الامين الدروتة، من قرية الدروتة، والتي لايتجاوز عدد سكانها 100 نسمة ،لصحيفة الساقية برس، أن الحريق الذي شب في منزل شقيقته حواء كان بفعل فاعل ،اذ بدأت النيران في المطبخ اولا ثم لوح الطاقة الشمسية الخارجي الذي بدأ يطلق شرارا، الامر الذي دفعهم لاستخدام المياه والتراب لاطفائها، مؤكدا أن شكل الحرائق يختلف من غرب منطقة أم روابة عن شمالها، منوها إلى أنه في غرب ام روابة تتم الحرائق بفعل فاعل وهم الاطفال الذين يعبثون بباقي الرماد وبها بعض النار المتقدة ،كذلك النساء اللاتي يتركن النار متقدة، ولكنه ختم حديثه بإشارة أصابع الاتهام إلى أبوكليقة أيضا.

أحد الأسباب..
يعد تغير المناخ احد الاسباب الرئيسيه للحرائق ،فالاحتباس الحراري يؤدي الى موجات حر قياسية،تجفف الغطاء النباتي ،فيتحول إلى وقود جاف ،سريع الاشتعال ،بجانب فترات الجفاف الطويلة والرياح أيضا تلعب دورا في تغذية النيران ودفعها للاشتعال ،فالانشطة البشرية تدفع إلى الحرائق .
وتؤكد الأستاذة سلوى عبد الرحمن مدير إدارة الانذار المبكر، رئيس قسم المراعي، في وزارة الإنتاج أن السبب الرئيس لاندلاع الحرائق هو ارتفاع درجات الحرارة التي تؤدي للاشتعال القش والقصب ،الذي يطلق دخانا يميل إلى البياض في بداية الاشتعال ثم يتغير بعده إلى اللون الأحمر .
بحث ودراسة..
ويبين المستشار الفني لوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية الدكتور طارق أمين أبو البشر أن الحرائق تصل إلى 1200 منزل في السنه في كل القرى، في محلية ام روابة ،أم دم حاج أحمد،محلية بارا ،موضحا أن متوسط الحرائق كان يقارب 1240 منزلا ،وذلك من خلال بعض الدراسات والبحوث التي تمت في الفترة بين 2022-2024 ووصف أبو البشر الحريق ،بانه سريع الاشتعال وذلك من خلال مشاهداته الحية له وأضاف قائلا (لم تتم أي عمليات تحليل للتربة ،منذ اندلاع الحريق في المنطقة عام 2008)مشيرا إلى ضرورة أخذ عينات من التربة ومن الغازات المنبعثة.
وعن الورشة التي تنادى لها المختصين ، ومبادرة مكافحة الحرائق ، يوضح طارق (المبادرة تهدف إلى التعرف على الأسباب الحقيقية لاشتعال هذه الحرائق، ثم كيفية معالجة آثارها، عبر تبني بعض التدخلات مثل تعمير حزام الصمغ العربي، وتغيير نمط المباني القشية ،و تعبئة المخزون الاستراتيجي لمقابلة متطلبات الأسر التي تتعرض لهذه الحرائق الطارئة ومن ثم التفكير في مشروعات وتدخلات لاحقا، بعد تنفيذ دراسات التقصي والتحليل الكيماوي، والبحث عن وجود غازات الاشتعال الحراري وغيرها.
الجدير بالذكر أن الورشة ستعقد اليوم الأحد في القاعة الكبرى بمستشفى الضمان الاجتماعي بمدينة الأبيض، وتضم مبادرة مكافحة الحرائق والجيولوجيين، تحت إشراف وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية ورعاية والي شمال كردفان .



