مقالات

اختطاف المسار.. حين تصبح الوصاية الدولية أداة لتفتيت الإرادة الوطنية

بقلم/ وائل عبدالخالق مالك:

ثمة فرق جوهري بين من يساعد أصحاب البيت على ترتيب أثاثهم ومن يأتي بمفتاح مصطنع ليعيد بناء الجدران على هواه. هذا الفارق هو ما يجعل اجتماعات أديس أبابا قضية تتجاوز إشكاليات الأجندة والتمثيل لتمس جوهر السيادة ومعنى القرار الوطني. تنعقد الاجتماعات بدعوة من الآلية الخماسية الدولية وتضم للمرة الأولى القوى السياسية الداعمة للجيش وتلك الداعمة لمليشيا الدعم السريع بالإضافة إلى القوى التي تدعي انها رافضة للحرب. ظاهرياً يبدو المشهد مشجع حيث تجميع كل القوى تحت سقف واحد في حوار موعود ولجنة تحضيرية يتوقع أن تتشكل. لكن التفاصيل هي حيث تكمن العفاريت دائماً.

بيانات العديد من التحالفات الوطنية مثل الكتلة الديمقراطية وتحالف سودان العدالة تطرح سؤالاً يصعب تجاوزه هو من الذي حدد الأجندة والمكان والمشاركين دون أن يشاور القوى الوطنية؟ البيانات تقول إن الآلية الخماسية خرقت اتفاقاً توصل إليه وفود القوى الوطنية معها في فبراير الماضي وكان جوهره حصر اللقاءات الخارجية في إطار المشاورات فقط تمهيداً لحوار سوداني سوداني داخل البلاد وأن تحديد الأجندة والمشاركين لا يكون إلا بتشاور كامل مع أصحاب المصلحة الحقيقيين.

ما يثير القلق ليس مجرد الإخلال بالترتيبات المتفق عليها بل طريقة تبرير هذا الإخلال. رئيس الآلية محمد بن شمباس صرح بأن قائمة المشاركين في الاجتماع الأول روعي فيها تحقيق التمثيل السياسي والجغرافي والنوعي والعمري وأن المشاركة في هذه المرحلة ليست نهائية أو شاملة وأن العملية ستظل مفتوحة ومتطورة. بعبارة أوضح فهو يقول إن الآلية هي التي تقرر من يدخل ومن يخرج وفق معايير تراها هي وفي توقيت تختاره هي. وهذه بالتأكيد ليست وساطة وإنما وصاية.

من المعلوم بالضرورة رفض العديد من التحالفات الوطنية الجلوس مع ما يسمى تحالف تأسيس الذي يترأسه قائد المليشيا المتمرد محمد حمدان دقلو بوصفه ذراعاً سياسية لمليشيا الدعم السريع فيما يجمعون على ضرورة التمسك بحوار سوداني خالص داخل البلاد. هذه الحساسية مفهومة تماماً. لذلك فإن دعوة ما يسمى بتحالف تأسيس إلى اجتماعات المسار السياسي تمثل خلطاً بين المسارات السياسية والأمنية كما تعكس تبنياً ضمنياً لرؤية سياسية مرتبطة بمليشيا الدعم السريع وحلفائه في تعارض مع الموقف الرافض للكيانات الموازية فضلاً عن أن مساواة الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية بميليشيا ارتكبت ما ارتكبت من جرائم وانتهاكات لا يمكن أن يعد إنصافاً أو حياداً بل هو انحياز مقنع وكل من يشارك في هذه الاجتماعات فهو يعطي صك غفران واعتراف ضمني لهذه المليشيا.

المفارقة اللافتة هي أن كثير من القوى المدعوة لم تتخل بدورها عن مطالبها الجوهرية مشترطين أن يكون الحوار سودانياً خالصاً وداخل البلاد ومشددين على رفض منح مليشيا الدعم السريع أو تحالف تأسيس أي امتيازات سياسية تتجاوز المحاسبة. فعلام إذن الحضور لبعض القوى والتحالفات التي تتبنى هذا الرأي وأعلنت عن مشاركتها في هذه الاجتماعات المشبوهة إن كان الموقف يرفض المنطلقات الأساسية التي قامت عليها الدعوة؟

نحن كسودانيين نعرف جيداً نكهة الحلول المعلبة. منذ سنوات والمسار الخارجي يعيد إنتاج نفسه في مدن مختلفة وبأسماء هيئات متجددة مثل الآلية الرباعية ثم الخماسية ومؤتمرات من برلين إلى باريس إلى جدة إلى نيروبي وفي كل مرة يقال إن هذه الجولة مختلفة. وفي كل مرة يتضح أن من يقرر أجندة الحوار ليس السودانيين.

الفارق الجوهري بين الوساطة الحقيقية وما يجري الآن هو بسيط فالوسيط الحقيقي لا يرتب الكراسي قبل أن يصل الضيوف ولا يختار الضيوف ابتداءً. ما تصفه بيانات التحالفات والقوى الوطنية الرافضة يشير إلى نمط مختلف تماماً. نمط يفضل فرض حل مشكل مسبقاً على الوصول إلى توافق حقيقي. الحوار السوداني السوداني ليس شعاراً للتشدق به في البيانات. هو شرط موضوعي لأي تسوية تصمد. لا تسوية تستدام حين يأتي نصفها من الخارج ولا حوار ينتج استقراراً حين تحدده جهة لا تحمل نتائجه ولا تدفع ثمنه. السودانيون هم من يدفعون الثمن يومياً في الدم والنزوح والجوع ومن حقهم وحدهم أن يقرروا شروط الخروج من هذه الكارثة.

اجتماعات أديس ابابا قد تمضي كما أُريد لها. لكن اجتماعاً تقاطعه القوى الأكثر التصاقاً بمؤسسات الدولة الشرعية وتشكو من آليات انعقاده لا يمكن أن ينتج توافقاً وطنياً مهما أوحت الصور الجماعية وبيانات الختام. هناك سؤال واحد يظل معلقاً في الهواء وهو هل تريد الآلية الخماسية فعلاً أن يحل السودانيون أزمتهم أم تريد فقط أن يقال إنها ساعدتهم؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى