قصة “حمدية وخالدة”.. نساء فقدن ثروتهن الحيوانية بين الحرب وتغير المناخ

إخلاص نمر:
طال انتظار حمدية السيد (اسم مستعار) لماشيتها التي غادرت زرائبها في ذلك اليوم مع راعيها، لكنها لم تعد كما كان في السابق ،حيث تخرج صباحا وتعود مساءا آمنة سالمة خرج النفير –مجموعة من الناس إضافة للاهل– للبحث عن الماشية والراعي، عاد الجميع صفر اليدين إلا من خبر قاس، وقع كالفأس على رأس حمدية، التي تلقت خبر نهب الماشية واغتيال الراعي، لقد وجدت جثته في المرعى!
** ابريل 2023
في الخامس عشر من أبريل عام 2023 انطلقت الرصاصة الأولى معلنة عن حرب في السودان، امتدت لتأكل الاخضر واليابس ومازالت تتمدد، نزاع وصراع هنا، يتبعه قتل وموت ونزوح وشتات،زعزعت الحرب الأمن والأمان والاستقرار والهدوء،لم تسلم المدن والقرى والفرقان،وما عاد هناك من يجيب على السؤال متى تنتهي الحرب؟
اشتد أوار الحرب وفي كل يوم تتوسع رقعتها وموت سكان الأرض وفقدان من خرج ولم يعد !! فمنطقة كردفان ودارفور مازالت ملتهبة،تمطر السماء المسيرات ،بجانب المعركة على الأرض، والتي راح ضحيتها العديد من المدنيين خاصة النساء والأطفال.

**هروب …
حمدية السيد عبد الرحمن التي غادرت منزلها في قرية (جغمني) التي تبعد 7كلم عن مدينة الفولة في ولاية غرب كردفان، بعد اشتداد المعارك والقتل والجوع ،مازالت تحمل ذكرى ثروتها الحيوانية التي تعدت الستين رأسا تتنوع بين الماعز والأغنام والأبقار الحلابة، وصغار العجول تقول(أهرب دائما من ذكرى هذا اليوم ،كان الرابع من عيد الأضحى المبارك عام 2024، جمع الراعي المسؤول عنها كل الماشية عند الفجر كعادته اليومية،ليعود بها في المساء ،لكن في هذا اليوم لم تعد الماشية ولم يعد الراعي،طال انتظاري ،ولكن لا أثر للعودة،كان الانتظار ممزوجا بأصوات الرصاص حولنا على أطراف القرية وهناك حراك محدود من السكان داخل القرية). وارد فت( كان الظلام يتسلل إلى الدنيا،عندما بدأت الأسرة تختبيء تحت الأسرة ،نمسك أيدي بعضنا البعض،نكتم أنفاسنا ،هنا تأكد لي أنها اللحظة الأخيرة وعلينا المغادرة).

**مرعى …
تتميز ولاية غرب كردفان ببيئة السافنا والاعشاب الموسمية وأشجار الهشاب والطلح ،التي تسهم في حفظ التوازن البيئي ،وتعد تربية الماشية من الأنشطة الاقتصادية المهمة في المنطقة،فقبل اندلاع الحرب كانت ولاية غرب كردفان ،خاصة الفولة والقرى حولها ،من أغنى المناطق بالمراعي الطبيعية،التي تمتد على مساحات واسعة من السافنا الغنية بالأعشاب والشجيرات والأشجار المحلية ،ومع دخول موسم الخريف ،تكتسي الأرض بالخضرة،وتنبت الحشائش ،الأمر الذي يوفر المراعي الخصبة للماشية ،التي تشكل عماد المجتمعات الرعوية في الولاية.
شكلت هذه المراعي موردا اقتصاديا وبيئيا ،وأسهمت في استقرار كسب العيش وسبله للسكان ،قبل أن تصبح الولاية في مرمى الرصاص ومرمى التغير المناخي ، وتنوه (حمدية) هنا (كانت القرية هادئة ،تكسوها الخضرة ،ويكسو مجتمعها المودة ،فنحن أبناء عمومة ،نشأنا سويا،وكم لعبنا سويا وسط الأعشاب والشجيرات بجانب ماشيتنا التي تستطيب المرعى حولنا).
**اختفاء…
(خالدة ) اسم مستعار ،هي الأخرى والتي كانت تعتني بماشيتها وحدها،في قرية الاضية زكريا التي تقع في غرب كردفان أوضحت قائلة (في صباح الثالث عشر من يونيو 2023 ،استيقظت القرية على المزيد من أصوات الرصاص وبعض الدراجات النارية ،تجوب الأزقة والشوارع ، زاد نهب المنازل والماشية أيضا ،ولكن قبل هذا التاريخ ،كنت ألاحظ أن أعداد الماشية ،بدأت تتناقص عند عودتها مساء من المرعى المفتوح والذي لا يبعد كثيرا عن القرية ،كنت أغالب الدموع في كل يوم ،عندما تعود بعض الماشية ولا يعود البعض الآخر ، إلى أن اختفت جميعها ،كانت مصدر رزقي وكانت أكثر من ثلاثين رأسا من الماعز والأغنام ،وأكثرها كان على وشك الولادة ).

** جفاف …
تأثرت الاضية زكريا في السنوات الأخيرة ،كجزء من حزام السافنا في غرب كردفان بالتغير المناخي ،وظهر ذلك في تذبذب الأمطار ،وتكرار فترات الجفاف ،وتراجع الغطاء النباتي ،ونقص مصادر المياه الموسمية كالحفائر والخيران ،إذ أصبحت المراعي أقل قدرة على تلبية احتياجات الثروة الحيوانية ،وهنا أضافت خالدة (نعم ،تقلصت المساحات الخضراء في السنوات الأخيرة لعدم هطول الأمطار ،وزاد التصحر وزحف الرمال والجفاف في منطقتنا بصورة مفاجئة ،تأثرت الحيوانات بارتفاع درجات الحرارة التي أدت لجفاف الحفائر، وهنا فقدت بعض الماشية ،رغم اني كنت في ذاك الوقت ،اجلب الماء للماشية من مناطق الآبار عبر عربة يجرها الحمار. وهو الكارو -اسم يطلق في السودان على العربة التي يجرها الحمار أو الحصان-). بينما تصف حمدية مصدر شرب الماشية في قريتها جغمني وماحولها ،بأنه من (الدونكي )–خزان المياه لسقي الماشية ،تنقل إليه المياه من بئر ارتوازية،ويتكون من عجلة كبيرة تدار بواسطة حيوان أو قوة الإنسان ،ويمثل المورد المائي الحيوي في الريف السوداني).
**تكدس …
ويوضح الدكتور عبد المنعم عثمان ،مدير عام المراعي والعلف في السودان (أثرت الحرب على المراعي في السودان ،وأدت إلى ضغط على مراع معينة دون الأخرى ،الأمر الذي أدى إلى عملية رعي جائرنتيجة تكدس الحيوانات في مناطق معينة ،دفعت الحرب إلى هجرة الرعاة والحيوانات إلى مناطق اخرى، وهذا انعكس على قلة الإنتاجية بفقدان الحيوانات نفسها بجانب أن مناطق الرعي كانت ساحات للحرب أيضا ).

** لا للحرب ..مجدا للسلام ..
دفعت النساء فاتورة الحرب والتغير المناخي في السودان ،انعكس ذلك بوضوح على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في السودان ،وهذا ماواجهته (خالدة) من شح في المياه بسبب الجفاف، والذي أدى إلى ندرة المياه العذبة وسقيا الثروة الحيوانية التي تشتهر بها المنطقة. فقدت النساء المزارعات إنتاجهن وفقدت الأخريات ثروتهن الحيوانية ، والقاسم المشترك بين (خالدة وحمدية) كان ضياع مصدر رزقهن من ثروة حيوانية تكاثرت أمام أعينهن ،ورغم ذلك ظلت خالدة في منطقتها رغم الرصاص وفقدان اقتصادها الوحيد، وغادرت حمدية قريتها الخضراءالى قرية بليلة والتي وصفتها (خرجت ليلا بعد حادثة اغتيال الراعي ، على ظهر عربة يجرها الحمار الذي كان يعاني من الجوع والهزال ،كان الرصاص على أشده والمطر كذلك ،مكثت أربعة ليال في بليلة ،عدت لقريتي جغمني لاجدها كومة من الدمار والخراب،ولم يطل الفجر الا وانا على الطريق الى مدينة بورسودان ،التي وصلتها بعد رحلة قاسية وشائكة استمرت ستة ايام ،انا اليوم أردد بملء الفم لا للحرب مجدا للسلام).
** وكان أن أعلنت الأمم المتحدة ومنظمة الاغذية والزراعة العالمية ( الفاو) أن عام 2026سيكون السنة الدولية للمراعي والرعي ،وذلك لأهمية المراعي والرعاة في الأمن الغذائي وحماية النظم البيئية والحفاظ على التنوع البيولوجي ،مع التأكيد على دور النساء والشباب في المجتمعات الرعوية والزراعية.
ورغم الدور الذي تلعبه النساء المزارعات ومربيات الماشية في الريف السوداني إلا أن الحرب كانت لهن بالمرصاد ،فقدن كل ثرواتهن، وانتهى المطاف ببعضهن في مراكز الإيواء والبعض الآخر في مخيمات النزوح واللجوء في الدول المجاورة.
الصور بعدسة الاستاذ مصعب عبد الباقي غرب كردفان




