
د.معاوية عبيد:
في صفحات التاريخ مواقف كثيرة تدعو إلى التأمل، ليس من أجل تمجيد الماضي أو تبرئة أهله من الأخطاء، وإنما لاستخلاص العبر والدروس، ومن تلك المواقف ما يُروى عن كفار قريش ليلة الهجرة النبوية، حين أحاطوا ببيت النبي صل الله عليه وسلم يريدون قتله، ومع ذلك لم يقتحموا البيت ليلًا لما فيه من نساء ومحارم، فانتظروا خروجه، لم يكن ذلك إيمانًا منهم برسالته، فقد كانوا أشد الناس عداوة له، ولكنها بقايا مروءة وأعراف كانت لا تزال حاضرة في نفوسهم.
كما أن التراث الشعبي السوداني يروي عن بعض الهمباتة، وهم الذين كانوا يغيرون على الإبل والماشية، أنهم كانوا يمتنعون عن أخذ بهائم الأرامل والأيتام، ولا يأخذون البهيمة التي يعتمد عليها أهلها في اللبن والمعاش، بل إن بعضهم كان يعرف بالكرم وإغاثة المحتاج وحفظ المعروف ورد الجميل ، ويحكي لي صديقي عندما تكون هنالك مشكلة بين فريقين من أبناء باديتهم ، من اعراف هذه القبائل أن لا يعتدوا علي الخصم و هو نائم اي ( غدراً ) أو هو جائع أو اعزل من السلاح ، بل يعطونه السلاح و يكرمونه بالاكل و من ثَّم يبدأون بالقتال بينهم ، ورغم أن تلك الأفعال في أصلها مرفوض، إلا أن تلك الروايات تكشف أن المجتمع كان يحتفظ بحدود أخلاقية لا يتجاوزها كثير من الناس ، لكن ما يدعو للحزن والأسى أن السودان في سنواته الأخيرة شهد صورًا من الانحدار الأخلاقي لم تكن مألوفة في مجتمعه المعروف بالتدين والتسامح والكرم والشهامة ،فمع اندلاع الحرب ظهرت ممارسات صادمة، فقد ظهر من بين أبناء الوطن من استهان بحرمة الدماء والأعراض والممتلكات، حتى صار قتل الأبرياء وتهجير الآمنين ونهب البيوت واغتصاب الحرائر وسائل عادية لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية، والأسوأ من ذلك ما تناقلته الأخبار من خارج البلاد و تآمر بعض أبنائها مع الخارج في عقد الاجتماعات و المؤتمرات و المؤامرات ضد بلدهم و شعبهم ، و أن بعض القوى السياسية والتيارات لا يبدو أنها تبالي بحجم الدمار الذي يلحق بالوطن والمواطن، ما دامت ترى في ذلك طريقًا إلى السلطة أو النفوذ، إن من يسعى إلى الحكم على جماجم الأبرياء، أو يبني مشروعه السياسي على خراب البلاد وتمزيق المجتمع، لا يمكن أن يدعي الحرص على الوطن أو مستقبله، فالأوطان تُبنى بالتوافق والعدل وخدمة الناس، لا بإشعال الحروب وإدامة المآسي ،ولم تقف المأساة عند هذا الحد، بل ظهرت آفات أخرى تهدد المجتمع من الداخل، وفي مقدمتها المخدرات. فبينما ينشغل الناس بالحرب وآثارها، تعمل شبكات ترويج المخدرات على استهداف الشباب والمراهقين، مستغلة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وقد باتت هذه السموم تصل إلى أماكن لم يكن أحد يتصور أن تصل إليها، في مدن عرفت بالطهر والعفة والاستقامة وحسن الخلق،وإذا صحت الأخبار التي تتحدث عن وضع المخدرات في أماكن شرب المياه العامة أو استغلال المرافق الخدمية و الجامعات لنشر هذه السموم، فإن ذلك يمثل انحدارًا أخلاقيًا خطيرًا لا يكاد يصدق، إن الأمة التي تستهدف أبناءها بالمخدرات إنما تستهدف مستقبلها كله، لأن الشباب هم طاقة البناء والأمل المرتقب، وما يفعله تجار المخدرات لا يقل خطورة عن أفعال من يحمل السلاح ضد الأبرياء، فكلاهما يساهم في هدم المجتمع، وإن اختلفت الوسائل، إن استهداف الشباب بالمخدرات ليس جريمة ضد أفراد فحسب، بل هو اعتداء على مستقبل الأمة كلها، فالشباب هم طاقة البناء والإعمار وحملة العلم والتنمية، وعندما يتم إفسادهم بالمخدرات والانحرافات السلوكية فإن الخسارة لا تصيب أسرة بعينها، بل تصيب الوطن بأكمله .
لقد كان السودان عبر تاريخه الطويل نموذجًا للتكافل الاجتماعي والتراحم بين الناس، وعُرف السودانيون بإكرام الضيف وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم والتسامح حتى مع الخصوم، وهذه القيم هي رأس المال الحقيقي الذي يجب المحافظة عليه اليوم أكثر من أي وقت مضى .
إن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة أمنية أو سياسية، بل هي معركة قيم وأخلاق ووعي ، فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، وإنما تُبنى بالعدل والرحمة والأمانة واحترام الإنسان ، وكل مشروع لا يقوم على هذه الأسس مصيره الفشل مهما امتلك من شعارات أو أدوات،ويبقى الأمل معقودًا على أبناء السودان الشرفاء من العلماء والدعاة والمربين والإعلاميين والمثقفين وقادة المجتمع، ليقوموا بدورهم في حماية الأجيال الجديدة من الانحراف، وترسيخ قيم الدين والأخلاق والوطنية، ومواجهة خطابات الكراهية والفرقة، حتى يستعيد السودان عافيته ومكانته ،فالأمم لا تنهزم حين تخسر معركة، وإنما تنهزم حين تفقد قيمها، وإذا حافظ السودانيون على قيمهم الأصيلة من الشهامة والمروءة والتكافل والإيمان، فإنهم قادرون بإذن الله على تجاوز المحنة وبناء وطن أكثر قوة وعدلًا واستقرارًا .




