التحليق وسط الزحام.. الطريق إلى الخرطوم عبر جدة والقاهرة

حسن النخلي: التحليق وسط الزحام.. الطريق إلى الخرطوم عبر جدة والقاهرة
يمر السودان اليوم بأعقد مرحلة في تاريخه الحديث، حيث تداخلت الحرب مع أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، حتى باتت الدولة نفسها تواجه اختبار البقاء والاستمرار. ورغم أن وقف إطلاق النار يظل ضرورة عاجلة لا تحتمل التأجيل، إلا أن الحقيقة الأعمق هي أن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في المعارك الدائرة أو في الصراع العسكري وحده، بل تمتد جذورها إلى بنية الدولة وطبيعة الحكم وإدارة التنوع والعلاقة بين المركز والأطراف.
ومن هنا تأتي أهمية المسارات السياسية والإقليمية التي تحاول تقريب وجهات النظر وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب. وفي هذا السياق برزت مدينتا جدة والقاهرة كمحطتين أساسيتين في الجهود الرامية إلى إيجاد مخرج للأزمة السودانية. فمحادثات جدة ركزت على الجوانب الإنسانية ووقف الأعمال العدائية وفتح الممرات الآمنة، بينما سعت القاهرة إلى بناء توافق سياسي أوسع بين القوى السودانية المختلفة، انطلاقاً من إدراك أن السلام الدائم يحتاج إلى تسوية سياسية شاملة لا إلى هدنة مؤقتة فقط.
غير أن الطريق إلى الخرطوم لا يمر عبر العواصم الإقليمية وحدها، مهما كانت أهمية دورها. فالحل الحقيقي يبدأ عندما يقتنع السودانيون أنفسهم بأن لا غالب في هذه الحرب ولا مهزوم، وأن استمرار القتال يعني استنزاف الدولة والمجتمع معاً. لقد أثبتت التجارب أن الحروب الأهلية الطويلة لا تنتج استقراراً، بل تترك وراءها أجيالاً مثقلة بالفقر والنزوح والانقسام وفقدان الثقة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد اتفاق سياسي جديد، بل مشروع وطني جديد يعالج جذور الأزمة السودانية. مشروع يقوم على بناء دولة المواطنة وسيادة القانون، ويضمن مشاركة عادلة في السلطة والثروة، ويؤسس لمؤسسات وطنية قوية ومهنية قادرة على حماية البلاد وخدمة مواطنيها بعيداً عن الاستقطاب والصراعات الحزبية والجهوية.
كما أن إعادة الإعمار يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي تسوية قادمة. فالملايين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم، وتعرضت البنية التحتية لخسائر كبيرة، وتراجعت الخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة. لذلك فإن السلام لن يقاس فقط بصمت البنادق، بل بقدرة الدولة على إعادة الحياة إلى المدارس والمستشفيات والأسواق والقرى والمدن التي أنهكتها الحرب.
ويمتلك السودان من الموارد والإمكانات البشرية والطبيعية ما يؤهله للنهوض من جديد إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الوطنية الجامعة. فالسودان ليس بلداً فقيراً في موارده، بل عانى طويلاً من سوء الإدارة والصراعات التي عطلت إمكاناته الهائلة. وعندما تتوفر بيئة مستقرة وآمنة يمكن أن يتحول إلى مركز مهم للإنتاج الزراعي والتكامل الاقتصادي في محيطه الإقليمي.
إن الخرطوم التي يبحث عنها السودانيون ليست مجرد عاصمة جغرافية، بل رمز للدولة التي يتطلعون إليها: دولة آمنة، مستقرة، عادلة، تتسع لجميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء. ولذلك فإن الطريق إلى الخرطوم قد يمر عبر جدة والقاهرة أو غيرهما من العواصم، لكنه في نهاية المطاف يجب أن ينتهي عند إرادة وطنية سودانية خالصة تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
فالسودان لن يبنيه الخارج، ولن يحافظ على وحدته إلا أبناؤه. وكلما اقترب السودانيون من صيغة وطنية جامعة، اقتربت الخرطوم من استعادة دورها ومكانتها، واقترب السودان من طي صفحة الحرب وفتح صفحة جديدة عنوانها السلام والتنمية والاستقرار.
حفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الجمعة / 12/يونيو /2026



