مقالات

السودان في مواجهة الحرب.. نحو دولة تنتصر وتبني 1-7..

جذور الحرب وأسبابها.. كيف وصل السودان إلى هذه الهاوية؟!..

وائل عبدالخالق مالك: 

تمثل الحرب التي اندلعت في بلادنا منتصف أبريل 2023 واحدة من أخطر المحطات في تاريخنا الحديث. إذ كشفت عن أزمات متراكمة في بنية الدولة والسياسة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية. ومن هنا تنطلق هذه السلسلة للبحث ليس فقط في أسباب الحرب وجذورها بل أيضًا في السبل الواقعية لإنهائها وبناء سودان أكثر استقرارًا وقوة. سأحاول عبر سبعة مقالات مترابطة تتناول جذور الصراع واستراتيجيات الحسم والسلام ودور الإقليم والعالم في إعادة الإعمار ومكافحة الفساد واقتصاد الحرب وتحقيق الوفاق الوطني وإطلاق التنمية الاقتصادية واستعادة الدور الإقليمي والدولي للسودان. إنها محاولة للإسهام في رسم رؤية متكاملة لما بعد الحرب تنطلق من فهم أسباب الأزمة وتسعى إلى بناء دولة قادرة على تحقيق السلام والاستقرار والتنمية.

اندلاع الحرب في أبريل 2023 لم يفاجئ المراقبين الحصيفين. إذ كان المشهد ينبئ بها منذ سنوات. فالحرب بين مؤسسة الجيش الوطني ومليشيا الدعم السريع المتمردة لم تكن وليدة لحظة عابرة بل هي ثمرة مرة لإخفاقات متراكمة ومصالح متشابكة وتدخلات خارجية موظفة بعناية. ولفهم هذه الحرب لا يكفي الوقوف عند المشهد العسكري بل لا بد من الغوص في البنية التاريخية التي أفرزت هذا الصراع الوجودي.

حين آثر نظام الإنقاذ في التسعينيات توظيف الميليشيات القبلية أداة للحرب بدلاً من تطوير جيش وطني متماسك، زرع بذلك بذرة الفوضى المسلحة. مليشيا الجنجويد التي نشأت في خضم حرب دارفور في مطلع الألفية الثالثة كانت امتداداً طبيعياً لهذه السياسة. وحين تحول هذا الكيان إلى قوات الدعم السريع بقرار من الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013 لم يكن ذلك سوى تكريس مؤسسي لميليشيا بلا عقيدة وطنية ولا ولاء للدولة. محمد حمدان دقلو “حميدتي” استثمر هذه اللحظة ببراعة فحول قوته العسكرية إلى ثروة اقتصادية وإمبراطورية تجارية ممتدة من الذهب إلى التهريب في ظل تغطية سياسية من الحرس القديم للإنقاذ ومن دول إقليمية طامعة في الموارد السودانية.

عندما أسقط الشعب السوداني البشير في أبريل 2019 وجد نفسه أمام معادلة صعبة هي ثورة شعبية حقيقية في مواجهة عسكر يحوزون القوة. الوثيقة الدستورية التي جاءت ثمرة للتفاوض بين الشريكين المدني والعسكري ضمت الدعم السريع كشريك في المرحلة الانتقالية وهو ما أعطى حميدتي شرعية لم يكن يستحقها ووقتاً ثميناً لتوسيع نفوذه الاقتصادي والعسكري وتسليح قواته وتدريبها. وجاء فض الشراكة العسكرية المدنية في أكتوبر 2021 ليكشف عن شراكة معلنة بين البرهان وحميدتي لكن سرعان ما بدأ التنافس على من يدير الانتقال ومن يجني ثماره. وحين قرر المجتمع الدولي الضغط نحو إدماج الدعم السريع في الجيش بموجب الاتفاق الإطاري وجد حميدتي في ذلك تهديداً وجودياً لكيانه فكان الخيار العسكري في أبريل 2023.

هذه الحرب لا تفهم بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. فالإمارات العربية المتحدة وثقت علاقتها بمليشيا الدعم السريع عبر قنوات متعددة من دعم لوجستي إلى ذهب مهرب يمر عبر مطار دبي. ودولتا ليبيا وتشاد تحولتا إلى ممرات للسلاح والمقاتلين. وعلى الجانب الآخر مصر والسعودية وروسيا تتقاطع مصالحهم الجيش السوداني لاعتبارات استراتيجية متباينة. هذا التدويل للأزمة حول السودان إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية وجعل إيجاد الحل الداخلي منوطاً بحد أدنى من التوافق الخارجي.

جذور الحرب متشعبة من موروث الدولة الهشة وعسكرة المجتمع وإفلات المليشيات من المحاسبة والفشل في بناء مؤسسات مدنية قادرة وتدخلات خارجية مدمرة. فهم هذه الجذور هو الخطوة الأولى نحو معالجتها ولا حل ناجع لا يبدأ من هنا.

نواصل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى