أخبار وتقاريرحقوق الإنسان

معركة مكافحة التسرب.. اليونيسيف تكسب جولة

تقرير ـ عصام الحكيم:

في مكان ما من قرى ولاية نهر النيل كان هناك طفل يحمل حقيبته المدرسية ذات يوم قبل أن يضعها جانبا ويغيب عن مقعد الدراسة دون رقيب ومن غير زاجر .. وربما لم يكن يعرف أن الغياب الأول قد يقوده إلى غياب أطول وأن الأيام التي قضاها بعيدا عن المدرسة قد تتحول إلى سنوات وأن المسافة بينه وبين مقعده في حجرة الدراسة قد تكبر حتى يصبح الرجوع إليه في يوم ماا أمرا بعيد المنال.

هكذا هي حكايات التسرب المدرسي في بداياتها .. غياب صغير قد ينتهي بانقطاع كامل وطفولة كان يفترض أن تمضي بين الكتب والدفاتر فإذا بها تجد نفسها في مواجهة الأمية والفقر والعمل المبكر ومستقبل مجهول

حين تضيء اليونيسيف طريق العودة إلى المدرسة
لكن في محليتي الدامر وشندي بولاية نهر النيل نجحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في فتح نافذة جديدة للأمل باعادة “1560” طالبا وطالبة إلى مسار التعليم بعد أن كانوا خارج مقاعد الدراسة مهددين بأن يصبحوا جزءا من جيل تتسع أمامه دائرة الأمية والتسرب.
لم تكن العودة مجرد انتقال من خارج المدرسة إلى داخلها بل كانت محاولة لاستعادة حق ضائع وإعادة بناء حلم كاد أن ينطفئ..

90% نجاح.. وبارقة أمل..
من خلال برنامج التعليم البديل الذي ابتدرته اليونيسف تمويلا وإشرافا وبالتعاون مع منظمة التخطيط الوطنية وتحت رعاية وتنسيق وزارة التربية والتعليم تمكن ” 1799″ طالبًا وطالبة من الجلوس لامتحانات شهادة التعليم البديل محققين نسبة نجاح تجاوزت 90%، رقم قد يحمل في ظاهره بشارة نجاح لكنه في جوهره يحكي عن أكثر من ذلك.
إنه دليل على أن الطالب الذي ابتعد عن المدرسة يمكن أن يعود مجددا، وأن سنوات الانقطاع لا تعني بالضرورة نهاية الطريق وأن توفير الفرصة المناسبة والبيئة التعليمية الملائمة يمكن أن يعيدا الطفل إلى المسار الذي كان مهددا بفقدانه …

أرقام تقلق المنام
لكن خلف هذا النجاح الكبير تقف أرقام أخرى لا يمكن تجاهلها علي الاطلاق .. فهي ارقام لا تزال تؤلم وتبقي الحسرة عالقة .. فمن بين ” 4500″ طالب وطالبة كانوا مسجلين رسميًا ضمن البرنامج لم يتمكن “2701” طالب وطالبة من الوصول إلى مرحلة الجلوس للامتحان وهو ما يكشف عن فجوة كبيرة بين التسجيل والاستمرار ويطرح أسئلة ملحة حول الأسباب التي تدفع الطلاب إلى التسرب مرة أخرى قبل إكمال رحلتهم التعليمية.
أما الأكثر إثارة للقلق أن العدد المسجل ضمن البرنامج لا يمثل سوى نحو 60% من إجمالي الأطفال الذين أظهرت بيانات المسح تسربهم من المدارس والبالغ عددهم نحو “7000” طالب وطالبة.
وهنا تبدو الصورة أكثر اتساعًا من مجرد أرقام لان هناك مئات وربما آلاف الأطفال الذين ما انفكوا خارج دائرة التعليم ولا تزال قصصهم تنتظر من يرويها وأيديهم تنتظر من يأخذ بها إلى مقاعد الدراسة.
أما العدد الحقيقي للأطفال الذين انقطعوا نهائيًا عن التعليم في تلك المناطق فلا يزال بحاجة إلى مزيد من الحصر والتدقيق الأمر الذي يجعل معركة مكافحة التسرب أكثر إلحاحا ويضع الجهات المعنية أمام مسؤولية مضاعفة للبحث عن هؤلاء الأطفال وإعادتهم إلى المدرسة…

“1560” قصة نجاح
ورغم قسوة الأرقام .. فإن هناك رقمًا آخر يستحق أن يُكتب بحروف من نور انه الرقم ” 1560″ .. فهذا الرقم يمثل عدد الأطفال الذين نجحت جهود برنامج التعليم البديل في انتشالهم من وهدة التسرب والأمية وإعادتهم إلى مؤسسات التعليم النظامي ..
ووراء كل واحد من هؤلاء الطلاب قصة إنسانية تستحق أن تروى، فيكفي ان هناك أسرة كانت تخشى على مستقبل ابنها ووالد كان يشعر بالعجز أمام ظروف حالت دون استمرار طفله في الدراسة وأم كانت ترى حلمها في تعليم أبنائها يتراجع يوما بعد آخر… قبل تلوح في الافق البعيد سانحة عودة الطفل إلى المدرسة وتعود معه البسمة إلى الأسرة ويعاود الأمل الاطلال من شرف المستقبل .. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للبرنامج فالتعليم لا يمنح الطفل المعرفة وحدها بل يمنحه فرصة للحياة ويمنح أسرته الأمل ويمنح المجتمع جيلًا أكثر قدرة على مواجهة المستقبل ..

التعليم البديل.. أكثر من مجرد فصل دراسي ..
لم يكن برنامج التعليم البديل مجرد مشروع لإعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة بل جاء في إطار تدخل متكامل شمل إجلاس الطلاب وصيانة وتأهيل المدارس وتدريب المعلمين ودعم المجالس التربوية وتشغيل الفصول البديلة
وتكمن أهمية هذه التدخلات في أنها تتعامل مع التسرب باعتباره قضية متعددة الأسباب لا يمكن حلها بمجرد إعادة الطالب إلى المدرسة، فالطالب يحتاج إلى مدرسة مؤهلة ومعلم مدرب وبيئة تعليمية جاذبة ومجتمع مدرسي قادر على الاحتفاظ به إلى جانب معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي دفعته في الأساس إلى ترك الدراسة ..

في أطراف الدامر وشندي.. المدرسة أبعد من الطريق ..
استهدف البرنامج مناطق طرفية في محليتي الدامر وشندي حيث تنتشر التجمعات الرعوية والزراعية وتوجد قرى نائية وقصية عن مؤسسات التعليم .. وفي مثل هذه المناطق قد لا يكون التسرب قرارًا يتخذه الطفل أو أسرته بمحض الإرادة بل نتيجة طبيعية لتراكم ظروف صعبة مدرسة بعيدة، أو طريق شاق أو أسرة تعاني ضيق الحال، أو طفل يضطر إلى مساعدة أسرته في الرعي والزراعة ..
ومن هنا فإن الوصول إلى الأطفال في هذه المناطق يمثل في حد ذاته جزءًا أساسيًا من معركة استعادة الحق في التعليم ..

بربر وأبوحمد.. الجبهة الجديدة
لكن المعركة لم تنته بعد ففي محليتي بربر وأبوحمد يبرز تحد آخر يرتبط بالافرازات السالبة الهدامة مجتمعيا لانشطة تعدين الذهب الذي استقطب واجتذب أعدادا من الأطفال والطلاب من بين مقاعد الدراسة .. وهنا تبرز الحاجة إلى توسيع دائرة التدخلات لتشمل هذه المناطق ووضع برامج تستجيب لطبيعتها الاقتصادية والاجتماعية وتعمل على إعادة الأطفال المتسربين إلى التعليم ومعالجة الأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة المدارس.
فإذا كانت تجربة الدامر وشندي قد أثبتت إمكانية تحقيق اختراق في ملف التسرب فإن نقل هذه التجربة إلى بربر وأبوحمد قد يمثل خطوة جديدة في معركة أوسع عنوانها : ” لا طفل خارج المدرسة ”

المعركة الحقيقية تبدأ من هنا ..
إن استعادة “1560” طالبًا وطالبة إلى مقاعد الدراسة تمثل نجاحا مهمًا لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام سؤال أكبر :
ماذا عن آلاف الأطفال الذين ما زالوا خارج المدرسة؟
الإجابة لا تقع على عاتق منظمة واحدة ولا يمكن أن تتحقق بمشروع واحد .. إنها مسؤولية مشتركة بين الدولة ووزارة التربية والتعليم والمنظمات الدولية والوطنية والمجتمعات المحلية والأسر وكل من يؤمن بأن التعليم ليس امتيازا بل حق أصيل مكفول لكل طفل ..
فكل طفل يُنتشل من التسرب هو شمعة امل لمستقبل واعد كان وشيك الضياع .. وكل مقعد دراسي يعود اليه صاحبه هو خطوة جديدة في طريق مكافحة التسرب والأمية والفقر ..

مشعل اليونيسيف يبدد العتمة..
لقد أضاءت اليونيسف عبر برنامج التعليم البديل مشاعل في طريق العودة إلى المدرسة لكن في المقابل فان الطريق لا يزال طويلا ولا تزال هناك آلاف المشاعل التي تنتظر من يوقدها وآلاف الأطفال الذين ينتظرون أن تفتح لهم أبواب المدارس وتضاء لهم حجر الدراسة ويحفظ لهم مكانهم بين الكتب والدفاتر لا في متاهات الأمية والتسرب.
وربما تكون الرسالة الأهم التي تتركها تجربة التعليم البديل هي أن إنقاذ طفل واحد من التسرب ليس مجرد إنجاز تعليمي بل هو إنقاذ لمستقبل كامل وأن المعركة الحقيقية لا تنتهي عندما يعود الطفل إلى المدرسة وإنما تبدأ من اللحظة التي نضمن فيها بقاءه داخلها حتى يكمل تعليمه ويحصل على فرصته كاملة في بناء حياة تليق بأحلامه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى