من يحصي نزوح السودان؟.. عندما تصبح الإحصاءات جزءًا من معركة الرواية

بقلم / رانيا عمر:
في الحروب، لا تُقاس الخسائر بعدد الضحايا والنازحين وحدهم، بل تُقاس أيضًا بمدى دقة الأرقام التي تُبنى عليها القرارات الدولية، وتُرسم على أساسها صورة الدول أمام العالم. فالإحصاء ليس مجرد رقم يُضاف إلى تقرير، بل وثيقة قد تُحدد مسار المساعدات الإنسانية، وتؤثر في المواقف السياسية، وتُشكل رواية قد تبقى في ذاكرة العالم أكثر مما تبقى وقائع الميدان نفسها.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي رقم ليس: كم بلغ عدد النازحين؟ وإنما: كيف وصلنا إلى هذا الرقم؟ وما المنهجية التي استند إليها؟
في هذا السياق، أعلنت منظمة الهجرة الدولية، عبر آلية تتبع النزوح (DTM)، تسجيل 219,319 نازحًا من إقليم كردفان خلال الفترة الممتدة من 25 أكتوبر 2025 إلى 23 يونيو 2026، موزعين على 1,012 موقع إيواء في 89 محلية داخل 14 ولاية، مع توثيق 109 حوادث أدت إلى موجات نزوح متعاقبة.
ولا يختلف اثنان على أن إقليم كردفان يعيش ظروفًا إنسانية وأمنية بالغة التعقيد، وأن آلاف الأسر اضطرت إلى مغادرة منازلها هربًا من العمليات العسكرية. لكن الاعتراف بحجم المأساة لا يُعفي أحدًا من واجب التدقيق في الأرقام التي تُقدم للرأي العام، خاصة عندما تتحول هذه الأرقام إلى مرجعية تعتمد عليها المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام وصناع القرار.
والمفارقة أن آلية تتبع النزوح نفسها لا تصف بياناتها بأنها تعدادًا سكانيًا شاملًا، وإنما تؤكد أنها تقديرات ميدانية تستند إلى الرصد الميداني وشبكات محلية وعمليات تحقق وتحديث مستمرة. وهذه نقطة جوهرية كثيرًا ما تغيب عن التغطيات الإعلامية التي تتعامل مع الأرقام باعتبارها حقائق نهائية، بينما تضعها الجهة المنتجة لها ضمن نطاق التقدير القابل للمراجعة والتحديث.
وربما لهذا السبب، فإن التعامل مع أي تقدير إحصائي باعتباره حقيقة نهائية لا يخدم النقاش العام، تمامًا كما أن رفضه دون سند منهجي لا يخدم الحقيقة. وبين هذا وذاك، تبقى المنهجية هي الفيصل الوحيد الذي يمنح الرقم قوته ومصداقيته.
ومن هنا، لا يعود النقاش متعلقًا بالرقم وحده، بل بالمنهجية التي أنتجته. فالرقم الذي تُبنى عليه استجابة إنسانية، أو يُستشهد به في المحافل الدولية، يجب أن يكون واضح المصدر، معلوم آلية الجمع، وقابلًا للمراجعة العلمية.
وبقراءة تفاصيل التقرير، يتبين أن ولاية الخرطوم استقبلت 75,005 نازحين، تلتها ولاية النيل الأبيض بـ39,442 نازحًا، ثم ولاية شمال كردفان بـ33,465 نازحًا. ويبلغ مجموع هذه الولايات الثلاث 147,912 نازحًا، ما يعني أن 71,407 نازحين توزعوا على بقية الولايات الإحدى عشرة التي لم يفصل التقرير توزيعهم.
كما أشار التقرير إلى أن محليات أمبدة وكرري وأم درمان استقبلت مجتمعة 68,304 نازحين من أصل 75,005 في ولاية الخرطوم، بينما توزع 6,701 نازحًا على محليات أخرى. وفي ولاية النيل الأبيض استقبلت كوستي وتندلتي وربك ما مجموعه 33,363 نازحًا، فيما توزع 6,079 نازحًا على بقية المحليات.
هذه التفاصيل لا تقلل من حجم الأزمة، لكنها تؤكد أن الصورة الكاملة لا تكتمل إلا عندما تُنشر البيانات بصورة تسمح بفهم حركة النزوح بكل أبعادها، وليس من خلال أرقام مجملة فقط.
وتزداد أهمية هذا النقاش إذا ما وُضع في سياق الواقع السكاني للسودان. فآخر تعداد سكاني رسمي أُجري عام 2008، ومنذ ذلك الحين لم يُنفذ تعداد جديد بسبب الظروف السياسية والأمنية، وأصبحت معظم التقديرات السكانية تعتمد على الإسقاطات الإحصائية. وإذا كانت قاعدة البيانات السكانية نفسها بحاجة إلى تحديث، فمن الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى منهجية احتساب أعداد النازحين، باعتبارها أحد أهم المؤشرات التي تُبنى عليها الاستجابة الإنسانية.
ولا يمكن قراءة تقرير كردفان بمعزل عن المشهد السوداني الأوسع. فوفقًا للخطة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، الصادرة في ديسمبر 2025، يواجه السودان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، مع توقع احتياج نحو 33.7 مليون شخص إلى المساعدات الإنسانية خلال عام 2026.
وفي السياق نفسه، تُظهر أحدث بيانات آلية تتبع النزوح (DTM) التابعة لمنظمة الهجرة الدولية وجود نحو 8.9 مليون نازح داخليًا في السودان، إلى جانب أكثر من 4.2 مليون عائد إلى مناطقهم، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن السودان يشهد أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم. وتعكس هذه الأرقام أن حركة السكان لم تعد تقتصر على النزوح فقط، بل أصبحت تشمل العودة وإعادة الاستقرار الجزئي في بعض المناطق، ما يجعل أي قراءة للأرقام قراءة غير مكتملة إذا عُزلت عن سياقها العام.
وهنا تتضح الحقيقة الأهم: لا يوجد رقم واحد يروي أزمة السودان كلها. فالمشهد الإنساني يتغير باستمرار بين نزوح جديد، وعودة جزئية، وتحركات سكانية متكررة تعيد تشكيل الصورة على الأرض بشكل يومي.
ومن هذا المنطلق، فإن طرح الأسئلة التالية لا يُعد تشكيكًا في العمل الإنساني، بل مطالبة مشروعة بالشفافية التي تُعد أساس أي عمل إحصائي مهني:
كيف جرى الوصول إلى رقم 219,319 نازحًا؟
ما المنهجية الإحصائية التي استندت إليها عملية الحصر؟
من هم الراصدون الميدانيون الذين جمعوا البيانات، وما معايير اعتمادهم؟
هل تم تسجيل كل نازح بصورة فردية أم عبر تقديرات للأسر والتجمعات؟
كيف تم التأكد من عدم تكرار تسجيل الأشخاص في أكثر من موقع نزوح؟
هل خضعت البيانات للمراجعة مع السلطات المحلية؟
ما هامش الخطأ الإحصائي المعتمد في هذه التقديرات؟
هل جرى تحديث السجلات باستبعاد العائدين إلى مناطقهم؟
وكيف تم الوصول إلى مناطق يصعب الوصول إليها بسبب الأوضاع الأمنية؟
ولماذا لا تُنشر المنهجية الكاملة والبيانات الأولية للباحثين والخبراء؟
الخلاصة أن القضية ليست في رقم 219,319 نازحًا بحد ذاته، ولا في حجم المأساة الإنسانية التي لا يختلف عليها اثنان، وإنما في المنهجية التي أنتجت هذا الرقم، والشفافية التي تمنح الرأي العام الحق في فهمه ومراجعته. فالأرقام، متى ما استوفت معايير الدقة وقابلية التحقق، تصبح أداة لفهم الواقع وتوجيه المساعدات بعدالة، أما إذا غابت تفاصيلها ومنهجيتها، فإنها تتحول إلى مساحة مفتوحة للتأويل والجدل، مهما كانت الجهة التي أصدرتها.
إن المطالبة بالشفافية في الإحصاءات ليست اعتراضًا على العمل الإنساني، بل دفاعٌ عنه. فكلما كانت البيانات أكثر وضوحًا، كانت الاستجابة الإنسانية أكثر عدالة، وكانت الثقة في التقارير الدولية أكبر.
ولأن الأرقام لا تُستخدم في الإحصاء وحده، بل تُبنى عليها السياسات وتُوجَّه على أساسها المساعدات وتتشكل بها صورة الدول أمام العالم، فإن مسؤولية إنتاجها لا تقل أهمية عن مسؤولية نشرها.
فالحروب لا تُدار بالسلاح وحده، بل تُدار أيضًا بالروايات. وإذا كانت الروايات تُبنى على الأرقام، فإن التدقيق في تلك الأرقام يصبح جزءًا من معركة الحقيقة نفسها. لذلك، فإن المطالبة بالشفافية في منهجية الإحصاء ليست خلافًا مع المنظمات الدولية، ولا تشكيكًا في رسالتها الإنسانية، وإنما هي واجب وطني وأخلاقي ومهني، ودفاع عن حق الضحايا في أن تُروى قصتهم كما هي… لا أكثر، ولا أقل.




