شارع البراويز

كتب/ مصعب الصاوي:
تجعلك الحرب تستعيد مشاهد وذكريات ثاوية في أعماق اللاوعي، تطفو أحيانا إلى سطح الذاكرة مثلما تتقافز الأسماك الصغيرة عند مشرع أبوروف أو الموردة، جعلتني الحرب أتذكر هذا الشارع الذي ينصف ميدان البوستة جهة سوق الوراقين شارع ضيق وصغير يبدأ عند بوابة البوستة الأمامية وينتهي في فريق الشيخ دفع الله الغرقان.
في مقدمة الشارع طاولات خشبية عتيقة عليها تنشر الصحف السياسية والرياضية وصحف التسلية وبعض المجلات المصرية الملونة وكبونات لمسابقات مختلفة كانت هذه الطاولات تشتهر ببيع كبونات (توتو كورة) في العهد المايوي مع خدمة خبراء للترشيح أشهرهم العم كمال عباس الرياضي المطبوع ونجم دار الرياضة ام درمان وأحد ظرفاء البقعة.
كبونات توتو كورة تبدأ بنص كرت وتنتهي بدفتر المراهنات وعليه ختم هيئة المراهنات الرياضية.
أكشاك الخطاطين تراصت على جانبي شارع البراويز وبينها موقف صغير للعربات خاصة البكاسي والحافلات التي تكتب عليها عباراة مستوحاة أو مقتبسة من الأغاني غالبا أو عبارات صوفية للمنتمين للطرق الصوفية مثل ( تور البرزن ) كناية عن الولي الصالح شيخ الأمين صقر البرزن أو ( مكاشفي القوم ) كناية عن الشيخ عبدالباقي المكاشفي أو ( ود حسونة ) وذات الخطاط يجهز للسائق صورة داخل برواز صغير للشيخ عبدالباقي المكاشفي، أو مولانا السيد علي أو الشيخ الجعلي تور كدباس بطلته المهيبة وهو ممسك بصوت العنج أو صورة لقبة الشيخ العبيد ود بدر غالبا ماتعلق كأيقونات أمام عجلة قيادة الشاحنات السفرية.
تتجاوز وظيفة هذا الفنان الشعبي وموقعهم جميعا شارع البراويز، كتابة الجمل والعبارات إلى الزخارف والرسومات على جسم المركبة وهي في الغالب شكل من أشكال ( التوريق ) متفرع من أجزاء النبات مع زهور حمراء وزرقاء داكنة تتخلل الزخرفة ويهتم أصحاب المركبات السفرية بتزيين واجهة المركبة ويلحق بهؤلاء الخطاطين صناع الاناتيك ومهمتهم تجهيز رؤوس الغزلان المحنطة لتوضع في قلب واجهة المركبة وكلما كانت قرون الوعل طويلة أعطت واجهة المركبة شكلا جذابا وحشيا ويتفنن بعض صنايعية الاناتيك باستبدال عيون الغزلان أو التماسيح بالبلي وتلوين جزء من الأجزاء الخارجية لجمجمة الحيوان.
توجد عبارات كلاسيكية داخل المركبات السفرية خاصة خط الجزيرة وادمدني منها ( ناس بتمشي سنين طويلة وناس بدون ماتمشي توصل ) أو ( على كف القدر نمشي ولاندري بالمكتوب ) أو: ياعالما بحالي عليك اتكالي .. وغيرها من التعابير القدرية الطابع.
توجد عبارات ذات دلالات رمزية مثل ( دابي روندة ) و ( هجام فريق ام زين ) وأحيانا عبارة من كلمة واحدة مثل ( الهدف ) ، ( القانون ) ، ( بالنية ) الخط المستخدم هو اليد السوداني أو النسخ السوداني الذي مصدره المؤكد هو خلاوى تعليم القرآن وأحيانا تكتب العبارات إملائيا بطريقة خاطئة مثل ( توكلنا علا الله ) يقصد ( توكلنا على الله ) أو ( يا هاجو ) والصحيح ( ياهجو ).
الزينات الداخلية لقمرة القيادة كذلك تكتب فيها عبارات او جمل صغيرة بنية الرقية مثل ( الإخلاص ) والمعوذتين.

أما سوق البراويز فيعني بتصميم الصور الفوتوغرافية وقصها على حجم البرواز ثم صناعة خلفية للصورة ووضع مشابك صغيرة بغية المساعدة على تثبيتها في الجدران.
أفضل أنواع البراويز ماصنع من الأخشاب السودانية البلدية وذلك قبل أن تجتاح البراويز الصينية الأسواق .. والزجاج المعشق المتين كان هو المفضل ليس في البراويز بل في الفضيات وقتها بنوعيه المورد والسادة.
براويز صور الزفاف كانت في الغالب تطلى بإطار ذهبي أو اللون الأزرق السماوي ومثلها الصور العائلية الجماعية، ولم تكن صور الأطفال الفردية والجماعية قد انتشرت كما هو الحال الآن إلا في طقس ختان الذكور وهو الاستثناء الوحيد لوجود الأطفال في الصورة أما الصورة العائلية الجماعية فهي غالبا صور متممة لصور الزفاف إذ تصحب وصيفات العروس وأترابها العروس لالتقاط صورة تذكارية وكذلك اسرة العريس وأصدقاء أسرة العريس.
يقوم صنايعية سوق البراويز بمهمة تنسيق وديكور بعض المكتبات الشخصية لبعض الأسر والعائلات العريقة وفي هذه الحالة ينتقل بكامل معداته للبيت ليعيد هندسة المكتبة ووضع الزجاج على الأرفف.



