مدينة الإنتاج الحيواني.. هل تفتح باب الاستثمار أم باب الجدل؟

بقلم/ رانيا عمر:
ليس كل مشروع يُعلن عنه يستحق الاحتفاء قبل أن تتضح معالمه. فالمشروعات الكبرى لا تُقاس بحجم المساحات ولا بكثرة الوعود، وإنما بوضوح الرؤية، ومصادر التمويل، والقدرة على التنفيذ، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين والاقتصاد الوطني.
من هذا المنطلق، جاء إعلان وزارة الثروة الحيوانية عن إنشاء أول مدينة متكاملة للإنتاج الحيواني بولاية نهر النيل على مساحة (23) ألف فدان، باعتباره مشروعاً استراتيجياً لتعزيز الأمن الغذائي وجذب الاستثمارات. ومن حيث المبدأ، لا أحد يعارض أي مشروع يمكن أن ينهض بقطاع يملك فيه السودان ميزات تنافسية حقيقية، خاصة وأن الثروة الحيوانية تُعد واحدة من أهم الموارد التي يعول عليها الاقتصاد السوداني.
لكن السودان لا تنقصه الموارد ولا الأفكار، بل تنقصه الإدارة الرشيدة، والتمويل المستدام، والشفافية في التنفيذ. ولهذا فإن أي مشروع بهذا الحجم يجب أن يستند إلى دراسات جدوى معلنة، وخطة تمويل واضحة، ورؤية تنفيذية قابلة للقياس، حتى لا ينتهي به الأمر إلى أن يكون مجرد مشروع كبير في عناوين الأخبار، لا على أرض الواقع.
ومن هنا تبدأ أولى علامات الاستفهام. فمدينة تضم مزارع حديثة، ومسالخ، ومصانع، ومحطات للطاقة، ومراكز للبحوث والتدريب، وغيرها من أطُروحات ، تحتاج إلى استثمارات ضخمة وإدارة على أعلى مستوى. ومع ذلك، لم توضح الوزارة حتى الآن للرأي العام حجم التكلفة، ولا مصادر التمويل، ولا الجدول الزمني للتنفيذ، وهي معلومات أساسية للحكم على جدوى المشروع وإمكانية نجاحه.
ولا يقف الأمر عند التمويل وحده، بل يمتد إلى سؤال الأولويات. ففي ظل التحديات التي يعيشها قطاع الثروة الحيوانية، هل الأولوية اليوم لإنشاء مدينة جديدة، أم لتوجيه الموارد نحو دعم صغار المربين والمنتجين ،والمزارعين ،الذين يواجهون نقص الأعلاف، وضعف الخدمات البيطرية، وتدهور السلالات، وارتفاع تكاليف الإنتاج؟ فالقاعدة الإنتاجية هي أساس أي نهضة حقيقية، وإذا بقيت ضعيفة فلن تحقق المشروعات الكبرى أهدافها مهما بلغت طموحاتها.
وفى الجانب الآخر يلوح سؤال لا يقل أهمية، وهو اختيار ولاية نهر النيل مقراً لأول مدينة للإنتاج الحيواني. فالولاية تضم بالفعل عدداً من المشروعات والاستثمارات العاملة في هذا القطاع، وهو ما يطرح تساؤلاً حول القيمة المضافة التي سيحققها المشروع الجديد. هل سيأتي مكملاً لما هو قائم، أم منافساََ ، أم سينشئ نموذجاً جديداً مختلفاً؟ كما أن الوزير أعلن أن المشروع سيكون نواةً لمدن مماثلة في جميع ولايات السودان، وهو إعلان طموح يستدعي بدوره توضيحاً حول مدى واقعية هذا التوسع، ومصادر تمويله، وكيفية تنفيذه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ورغم أهمية كل هذه الجوانب، فإن أكثر ما استوقفني في حديث الوزير لم يكن المشروع نفسه، وإنما تخصيصه الدعوة لمستثمري دول مجلس التعاون الخليجي للمشاركة فيه. هذه العبارة لم تمر مروراً عادياً، بل فتحت باباً واسعاً للتساؤلات حول الجهات التي يقصدها الوزير.
وإذا كان من بين من يقصدهم مستثمرون إماراتيون، فإن ذلك بالنسبة لي يثير رفضاً ومخاوف حقيقية. فالسودان يعيش حرباً مدمرة، والدولة السودانية بل والشعب السوداني والتقارير الدولية تتهم الإمارات بدعم مليشيا الدعم السريع، التي ارتكبت انتهاكات واسعة وأسهمت في تدمير البنية التحتية وتشريد ملايين السودانيين، وهي قضية ما زالت تلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين. لذلك فإن أي حديث عن شراكات استثمارية محتملة مع جهات إماراتية في قطاع استراتيجي، دون توضيح أو شفافية، من الطبيعي أن يثير قلقاً واسعاً لدى الرأي العام.
وهنا لا أدعو إلى رفض الاستثمار الخارجي من حيث المبدأ، فالسودان في حاجة إلى رؤوس الأموال والخبرات والشراكات الجادة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى استثمارات تحترم سيادته، وتنسجم مع مصالحه الوطنية، وتُدار بمنتهى الوضوح والشفافية.
ولهذا، كان من الأفضل أن يوضح الوزير مقصوده بصورة مباشرة، لأن مثل هذه التصريحات في هذا التوقيت لا تحتمل العموميات، بل تتطلب وضوحاً كاملاً، حتى لا تُترك الساحة للتأويلات والاجتهادات.
وفي المحصلة، فإن نجاح مدينة الإنتاج الحيواني لن يُقاس بعدد الأفدنة التي خُصصت لها، ولا بعدد المصانع التي ستُقام داخلها، وإنما بقدرتها على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وخلق فرص عمل، وزيادة الصادرات، وتحسين أوضاع صغار المنتجين، وتعزيز الأمن الغذائي بصورة ملموسة.
أما إذا غابت الشفافية، وظلت مصادر التمويل، وهوية المستثمرين، وآليات التنفيذ والتوسع غير واضحة، فإن من حق السودانيين أن يطرحوا الأسئلة، لأن الثروة الحيوانية ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل إحدى ركائز الأمن القومي، والتعامل معها يجب أن يكون بمنتهى المسؤولية والوضوح.




