من شارع الجرائد إلى سوبا شرق.. الصحفيون السودانيون والحنين لرحيق الورق

الخرطوم ـ خالد الفكي:
لم يكن السبت يوماً ترفيهياً عابراً في حياة الصحفيين السودانيين، بل بدا كأنه نافذةٌ واسعة انفتحت فجأة على ذاكرةٍ قديمة، فخرج منها شارع الجرائد بكل صخبه ودفئه، وخرجت معه وجوهٌ غيّبتها الحرب، وأحاديثٌ انقطعت، وصداقاتٌ ظلّت معلّقة على حبال الشوق.
في حدائق منتجع رجل الأعمال والمال عصام الشيخ البطحاني بضاحية سوبا شرق بمحلية شرق النيل، التأم أكبر تجمع اجتماعي للصحفيين السودانيين منذ اندلاع الحرب، في مشهدٍ أعاد للزمالة المهنية شيئاً من بريقها، وللقلوب شيئاً من طمأنينتها، وللذاكرة الصحفية بعضاً من لياليها القديمة.

من شارع الجرائد، الذي ظل لعقود قلباً نابضاً للصحافة السودانية وملتقىً لأهل المهنة، إلى سوبا شرق، امتدت خيوط الوفاء بين الصحفيين؛ فالأسماء التي فرّقتها الحرب، جمعتها المحبة، والوجوه التي أنهكها النزوح، استعادت شيئاً من ابتسامتها، فيما بدا اللقاء أشبه بصفحةٍ جديدة من دفتر الزمالة، كُتبت هذه المرة بالحضور والحنين.
وبعد نحو أربع سنوات من الحرب، استعاد الصحفيون ذكريات تجمعاتهم القديمة؛ من ليالي رمضان والمنتديات الثقافية والأدبية، إلى المناسبات الاجتماعية واللقاءات التي كانت تجمعهم في دار صحيفة «المشاهد» الرياضية وعلى أرصفة شارع الجرائد، حيث كانت المهنة أكثر من وظيفة، والصحافة أكثر من أوراقٍ وحبر؛ كانت حياةً كاملة، وصداقاتٍ تُبنى على مهل، ووفاءً لا تهزمه الأيام.

وفي ظلال الأشجار، تحولت الأحاديث إلى ما يشبه جلسة اعتراف جماعية بوجع المهنة وشوقها. ناقش الصحفيون واقع الصحافة الورقية، وتحدياتها، ومآلاتها، غير أن الحنين كان سيد النقاش؛ حنينٌ إلى صوت المطابع وهي تبدأ دورتها، وإلى رائحة الورق الساخن، وإلى لحظة خروج الصحيفة من المطبعة، قبل أن تتلقفها الأكف وتبدأ رحلة توزيعها إلى القراء.
كان واضحاً أن الصحفيين لا يشتاقون إلى الورق وحده، بل إلى زمنٍ كامل؛ إلى ليالٍ مقمرة، ومواعيد تحرير، وهواتف ترنّ في ساعات متأخرة، وسباقٍ محموم مع الخبر، وإلى ذلك الشعور الذي كان يرافق الصحفي وهو يمسك نسخته الأولى من الصحيفة، كمن يمسك جزءاً من روحه.

وبمحبةٍ لا تخلو من الأمل، تداول الصحفيون أنباء قرب صدور صحيفتين ورقيتين خلال الفترة المقبلة، في خطوةٍ رأوا فيها بشارةً بعودة «الوراقين» إلى شارعهم العتيق، وإعادة الحياة إلى مهنةٍ قاومت الحرب، وتبدلات التكنولوجيا، وما تزال تبحث عن مكانها بين رائحة الحبر وضوء الشاشات.
وشهد اليوم الترفيهي حضوراً واسعاً للصحفيين السودانيين، ولا سيما العاملين في الصحافة الورقية، إلى جانب أصدقائهم وعدد من القيادات والشخصيات المجتمعية، يتقدمهم ناظر عموم البطاحين.

وأضفت الفقرات الإبداعية والتراثية نكهةً خاصة على المناسبة، عكست ثراء الموروث الشعبي للبطاحين، فيما قدمت فرقة الفروسية عروضاً حماسية لـ«العرضة» على وقع السيوف، وسط تفاعل واسع من الحضور.
ثم جاء صوت الفنان الشاب ود المادح بأغنيات الحقيبة، فاستحالت الساحة إلى ذاكرةٍ غنائية مفتوحة، يردد الصحفيون الكلمات خلفه، وكأنهم يستعيدون زمناً لم يكن فيه الفن بعيداً عن الصحافة، ولا الصحافة بعيدة عن الحياة.
وفي مشهدٍ يليق بمعنى الوفاء، احتفى اللقاء بالصحفية رشان آوشي، تكريماً لمواقفها المهنية، إلى جانب تكريم عدد من الرموز الصحفية والمجتمعية وقيادات الإدارات الأهلية.

وفي سوبا شرق، لم يكن الصحفيون يحتفلون بيومٍ ترفيهي فحسب؛ كانوا يحتفلون بأنهم ما زالوا قادرين على اللقاء، وأن الحرب، مهما امتدت، لم تستطع أن تطفئ جذوة الأخوّة بينهم.
كان ذلك اليوم، في جوهره، عودةً رمزية إلى شارع الجرائد؛ عودةً حملها الصحفيون في قلوبهم، قبل أن يحملوها إلى المكان.
ومن المقرر بث فعاليات اليوم الترفيهي للصحفيين السودانيين في سهرة تلفزيونية عبر قناتي «السودان» و«البلد».



