إقتصادحقوق الإنسان

نازحو دارفور.. بين عطش الأرض ونار الحرب

تقرير ـ حنان الطيب: 

يقول حسن يوسف من منطقة عطاش جنوب دارفور: “نزحنا بعد أن جفّت الآبار، الطريق كان مليئًا بالخوف، لكن البقاء هناك كان موتًا بطيئًا،، الأرض التي كانت تعطينا الزرع والغذاء تحولت إلى تراب قاحل، والماء الذي كان يسقي حقولنا اختفى مع الجفاف، لم يعد أمامنا سوى الرحيل، فالحرب جعلت البقاء في القرى خطرًا على حياتنا، والمناخ سرق منا الزراعة والماء،، هنا في المخيم نعاني من العطش والازدحام، ونحمل معنا ذكريات الأرض التي فقدناها، وننتظر يومًا يعيد لنا الأمان والزرع والحياة.”
في دارفور، لم يعد النزوح مجرد انتقال مؤقت، بل تحول إلى حياة كاملة بين الخيام.

الحرب الممتدة والتغيرات المناخية القاسية دفعت الملايين إلى ترك قراهم، ليجدوا أنفسهم في مخيمات مكتظة بلا ماء ولا غذاء ولا أمان، في بلدٍ يسخن ويعطش، يصبح النزوح قدرًا لا مفر منه، حيث يهرب الناس من أرضٍ جفت مواردها ومن حربٍ أحرقت بيوتهم.

هذا التحقيق يروي قصص النازحين، ويعرض الأرقام الصادمة، ويستمع إلى أصوات الخبراء، ليكشف مأساة النزوح واللجوء في إقليمٍ اجتمع فيه عطش الأرض مع نار الحرب. ليصنعا أكبر كارثة إنسانية في السودان.
المناخ والحرب.

تقول مريم حسن من الفاشر بصوت يملؤه الحزن: “المطر لم يعد نعمة، صار نقمة. الفيضان هدم بيتنا، والحصار جعل الطعام حلمًا بعيدًا، ولم يكن أمامنا سوى النزوح إلى طويلة. الحرب والمناخ اجتمعا ليكسرا قلوبنا، ويسرقان منا الأمان والبيت والزرع، ويتركاننا نعيش بين الخيام نحمل الذكريات والحنين، وننتظر يومًا قد يعيد لنا الأرض والحياة.”

يروي الشيخ آدم من طويلا شمال دارفور بمرارة، وصوته يختنق عند كل جملة: “طويلا لم تعد بلدة صغيرة، بل تحولت إلى مدينة من الخيام. المناخ جفّف الأرض، والحرب دفعت الناس إلى هنا، فصرنا غرباء في أرضنا. الأرض التي كانت تعطينا الزرع والغذاء صارت صحراء قاحلة، والناس الذين كانوا يعيشون بين حقولهم أصبحوا نازحين في خيام، يواجهون العطش والازدحام. المناخ سرق منا الموارد، والحرب اقتلعت البشر، ولم يعد أمامنا سوى الانتظار بين الخيام على أمل أن تعود الحياة يومًا.”

تروي فاطمة آدم من باجوم جنوب دارفور بألم شديد: “التصحر أخذ أرضنا، والحرب أخذ أماننا. نحن نعيش على المساعدات، لكننا نحلم أن يعود المطر ويعود السلام. التغيرات المناخية حولت الأرض الخصبة إلى صحراء قاحلة، وأفقدت المزارعين مصدر رزقهم، بينما جاءت الحرب لتقتلع الناس من قراهم وتسرق منهم الأمان. لم يعد أمامنا سوى الخيام، ننتظر يومًا يعيد لنا الزرع والحياة.

منظومة الرعي..
فيما قال عدد من مواطني قرى غرب دارفور إن النزوح لم يكن نتيجة القصف وحده، بل ارتبط أيضًا بانهيار منظومة الرعي التي شكّلت لعقود مصدر رزقهم الأساسي. المراعي المفتوحة تحولت إلى ساحات حرب، والقطعان تعرضت للنهب والقتل، فيما أجبر الرعاة على ترك مساراتهم التقليدية والبحث عن مناطق أكثر أمنًا. ويضيفون أن هذا التداخل بين الحرب والتغيرات المناخية جعل الأرض عطشى والماشية مفقودة، ليجدوا أنفسهم بين فقدان المأوى وفقدان الثروة الحيوانية التي كانت عماد حياتهم اليومية.

زادت الطين بلة..
قال عدد من المزارعين بدارفور لـ(الساقية برس)
كنا نعيش من الأرض ونحيا بها، كانت مصدر رزقنا وحياتنا، لكن التغيرات المناخية قلبت كل شيء رأسًا على عقب؛ المطر صار قليلًا، والجفاف قتل محاصيلنا، والسيول جرفت بيوتنا. ثم جاءت الحرب لتزيد الطين بلة؛ تركنا أراضينا محروقة، بذورنا نُهبت، وآلياتنا سُرقت، في المخيمات نقف في صفوف طويلة من أجل جالون ماء بعدما كنا نملك آبارًا في حقولنا، نحاول أن نزرع قرب الخيام لكن الحرارة القاتلة تحرق البذور قبل أن تنبت، وحتى إذا نجحنا في جمع حصاد قليل تأتي ماشية الرعاة لتدوسه تحت أقدامها، أو نذهب إلى السوق فنجد أنه خاوٍ بلا تجار ولا مشترين. لقد صرنا غرباء في وطننا، نحمل في صدورنا وجع الأرض الضائعة، ونعيش على الأمل أن نعود يومًا لنزرع من جديد، لكن كل يوم يمر يجعلنا ندرك أن الحرب والمناخ معًا سرقا منا الحياة.

حقائق وأرقام صادمة.. 
فيما وثقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة، أن النزوح في دارفور ليس مجرد نتيجة للحرب، بل هو تراكم لسنوات من التغيرات المناخية والتصحر التي أضعفت المجتمعات، ثم جاءت الحرب لتضاعف الكارثة.كشفت عن نزوح أكثر من 127,160 شخصًا من مدينة الفاشر وحدها بسبب الحرب منذ أكتوبر 2025 وحتى يناير 2026، .وصل إجمالي النازحين داخليًا في السودان (مايو 2026) 9,044,786 شخصًا، منهم (5,655,723) نازحًا في دارفور (63% من الإجمالي.
كما دمرت الحرب شبكات الرى توقفت عجلة الإنتاج التي تعتمد عليها ملايين الاسر بسبب النهب وانعدام الأمن كبدت المزارعين خسائر فادحة وضاعفت من آثار التغيرات المناخية المتمثلة في ندرة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والسيول والفيضانات.

تحت ثلاث محاصرات.. 
من جانبه قال د. طلعت دفع الله عبد الماجد، خبير البيئة والغابات وأستاذ جامعي، السودان يقف اليوم في قلب عاصفة من الأزمات المتشابكة لم يشهد لها تاريخه الحديث مثيلاً؛ ثلاث محاصرات قاسية المناخ، التصحر، والحرب، وضحيتها الإنسان. تغيّر مناخي يلتهم الأرض بصمت، وتصحر يزحف جنوبًا على مهل، وحرب أشعلت ما تبقّى من موارد وبنى وأرواح. ثلاث مسارات من الدمار تتقاطع في بلد واحد، وثمنها شعب يزرع ويرعى ويصبر، لكنه اليوم يُهجَّر ويجوع ويفقد مصادر عيشه وكرامته.

بلد يسخن ويعطش.. 
أوضح أن السوداني لا يحتاج إلى قراءة تقارير المناخ ليعرف أن شيئًا ما تغيّر؛ يكفي أن يتذكّر مواسم الخريف الماضية، ومجاري الأنهار التي ضاقت أو جفّت، والأشجار التي اختفت من ضفاف القرى. وتؤكّد الدراسات المناخية أن السودان من البلدان التي ترتفع فيها درجات الحرارة أسرع من المتوسط العالمي، مع توقع زيادة تتراوح بين 1.5 و3 درجات مئوية بحلول منتصف هذا القرن، خاصة في الأقاليم الشمالية والأوسط ذات المناخ الجاف وشبه الجاف.
موضحًا أن هذا الاحترار يترافق مع نمط مناخي أكثر تطرّفًا مواسم جفاف أطول وأشد، يقابلها هطول مطري كثيف ومركّز يسبب سيولًا مدمرة بدل أن يدعم الزراعة المطرية. منوّهًا أن تقارير دولية حذّرت من تراجع كبير في الموارد المائية المتجددة بحلول عام 2030، نتيجة تزايد الحرارة وتذبذب الأمطار وازدياد الضخّ على المياه الجوفية السطحية. تابع د. طلعت إن السودان، اقتصاديًا واجتماعيًا، يظل شديد الاعتماد على الزراعة والرعي؛ فالقطاع الزراعي يساهم بنحو ثلث الناتج المحلي، ويوظّف ما يقارب 80 بالمئة من القوة العاملة. ومعظم هذه الأنشطة تعتمد على الأمطار مباشرة أو على نظم ريّ هشّة تتأثر بأي اضطراب مناخي.

الأرض المكشوفة لأي صدمة
أوضح الخبير أنه منذ عقود تمدّدت الأقاليم الجافة وشبه الجافة جنوبًا، حتى باتت تطغى على خريطة السودان. وتشير خطة العمل الوطنية لمكافحة التصحر إلى أن الأراضي الجافة وشبه الجافة تغطي نحو 72 بالمئة من مساحة البلاد، ما يجعل السودان من أكثر الدول تأثرًا بالتصحر في أفريقيا.وبيّن أن بيانات استخدامات الأراضي الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة تكشف أن نحو نصف مساحة السودان (أكثر من 50 بالمئة) عبارة عن أراضٍ عارية وصخور وترب رملية شديدة الجفاف، مع غطاء شجري لا يتجاوز 10 بالمئة، ونباتات شجيرية وعشبية تغطي ما يقرب من 25 بالمئة من المساحة. وهذا يعني أن الحزام المنتج زراعيًا ورعوياً ضيّق، ومكشوف لأي صدمة مناخية أو بشرية.

 

دون إدارة مستدامة
أضاف دطلعت أن مساحات واسعة من الزراعة المطرية في دارفور وكردفان والولايات الشمالية تتعرض لخطر التدهور؛ إذ وصفت دراسات وطنية وإقليمية أن معظم الأراضي المتدهورة تتركّز في هذه الأقاليم الجافة وشبه الجافة، وأن التصحر يهدد عمليًا معظم الأراضي القابلة للزراعة إذا استمرّت أنماط الاستغلال الحالية دون إدارة مستدامة.فقد الغابات بمعدلات عالمية مرتفعة ، أردف إن تقديرات حديثة تستند إلى تقييمات منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، ودراسة الحصر القومي للغابات لعام 2020، وتقارير الانبعاثات المرجعية، تشير إلى أن الغابات تغطي حاليًا حوالي 11–15 بالمئة من مساحة السودان فقط، مع معدّل فقد سنوي يناهز 170 ألف هكتار خلال الفترة 2010–2020، وهو من أعلى معدلات فقد الغابات عالميًا. ورغم اختلاف الأرقام التاريخية بين الدراسات، إلا أن الاتجاه العام واضح تراجع ملحوظ في المساحات الغابية خلال العقود الماضية، بفعل التوسع الزراعي، وقطع الحطب والفحم، والتوسع العمراني غير المنضبط.

فوق أرض منهكة.. 
قال د. طلعت أنه مع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، انضافت طبقة جديدة من الدمار فوق أرض منهكة أصلًا بالتغير المناخي والتصحر. لم تعد الحرب صراعًا على المدن فقط، بل امتدّت إلى الحقول والغابات والمراعي، وضربت في عمق نظم الإنتاج الريفي التي يقوم عليها أمن السودان الغذائي.وأكد أن القصف والمعارك عطّلت الري في المشاريع الكبرى، والنهب طال مخازن الحبوب، والوقود النادر رفع تكلفة الزراعة والنقل إلى مستويات لا تُحتمل. ومع غياب الدولة في مناطق واسعة، تفاقمت ممارسات استنزاف الموارد قطع الأشجار بلا رقابة، والرعي الجائر حول معسكرات
النزوح، وعمليات تعدين عشوائية، كلها دفعت عجلة التصحر والتدهور البيئي إلى الأمام.

مشروع الجزيرة نموذجًا.. 

وقال إن المزارع السوداني واجه لعقود تقلبات المطر وضيق الموارد، لكنه اليوم يواجه ما هو أعتى سلاح يطارده من حقله. ففي مشروع الجزيرة، أكبر مشروع ري مروي في أفريقيا بمساحة تقارب 2.1 مليون فدان، أدت سيطرة قوات الدعم السريع ونهب البنية التحتية إلى شلل شبه كامل في منظومة الريّ، وتعطّل مساحات شاسعة كانت تُنتِج القمح والقطن والمحاصيل الغذائية الرئيسية.

مواسم مهددة بالضياع.. 
وأشار د. طلعت إلى تكرار المشهد في ولايات أخرى؛ ففي مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيلين، عجز المزارعون عن الوصول إلى أراضيهم بسبب المعارك وانعدام الأمن، أو فقدوا البذور والمعدات نتيجة نهب المخازن أو حرقها. وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن مئات الآلاف من الأسر الزراعية مهددة بفقدان مواسم متتالية إذا لم تتم مساعدتها بالبذور والمدخلات الأساسية قبل الفترات الحرجة للزراعة.

أقل من نصف المطلوب.. 
وقال إن منظمة الفاو تقدر حاجتها إلى نحو 156.7 مليون دولار لدعم حوالي 14.2 مليون شخص عبر توفير البذور والأدوات ودعم الإنتاج الزراعي. لكن التمويل المتاح لا يتجاوز نصف المطلوب، ما يعني أن ملايين المزارعين مهددون بخسارة موسم بعد آخر، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الأمن الغذائي في السودان.

القلب الزراعي في مقتل
اضاف د. طلعت إذا رسمنا خريطة لأشد المناطق الزراعية تضررًا، سنجد أن الحرب استهدفت عمليًا “القلب الغذائي” للسودان. ففي ولاية الجزيرة، تحوّل ما كان يُعرف بـ”سلّة غذاء السودان” إلى مسرح قتال، تعطّلت فيه قنوات الري الرئيسة وتعثّر إنتاج القمح والمحاصيل النقدية، ما أدّى إلى انهيار مصدر رزق عشرات الآلاف من الأسر الزراعية.وفي شمال دارفور، حيث مدينة الفاشر المحاصرة، أعلن خبراء الأمن الغذائي وصول بعض المناطق إلى مستوى المجاعة، مع ترك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية دون زراعة أو حصاد بفعل النزوح والعنف. أما في جنوب كردفان، خصوصًا حول كادوقلي، فقد تداخلت خطوط النار مع المناطق الزراعية، وتوثّقت موجات نزوح متكررة؛ إذ سُجّل نزوح ما لا يقل عن 64 ألف شخص من الولاية خلال ثلاثة أشهر فقط (أكتوبر–ديسمبر 2025)، كثير منهم من المزارعين الذين تركوا حقولهم خلفهم.

هناك صعوبات.. 
تابع في غرب دارفور ، انهارت الأسواق الريفية التي تربط المنتجين بالمستهلكين، فحتى من استطاع الزراعة يجد صعوبة في بيع محصوله أو شراء مدخلات الموسم التالي، ما يدفعه إما لبيع أصوله بثمن بخس أو للهجرة. وفي ولاية الخرطوم، التي كانت ملاذًا للنازحين من الأقاليم، أصبحت هي نفسها مصدرًا للنزوح؛ إذ تشير تقديرات دولية إلى أن حوالي 32 بالمئة من النازحين داخليًا في السودان خرجوا من العاصمة وريفها، تاركين وراءهم أراضي على ضفاف النيل وأطراف المدينة دون زراعة أو رعاية.
في جنوب دارفور، حيث يعتمد الناس على الدخن والذرة كغذاء أساسي، شهد الإقليم انهيارًا كبيرًا في الإنتاج الزراعي. وتُقدّر بعض التقارير أن الولاية تسهم بنحو 18 بالمئة من إجمالي أعداد النازحين داخليًا، ما يعكس حجم الضغط الواقع على مجتمعاتها الزراعية. هذه اللوحة تقول بوضوح إن الحرب لم تضرب الأطراف بعشوائية، بل أصابت بنية السودان الغذائية في مقتل، في اللحظة نفسها التي كان فيها المناخ والتصحر يضيّقان هامش الأمان المتاح للمزارعين.

اختناق مسارات الرعاة.. 
أما الرعاة حين تُغلق مسارات الهجرة الموسمية، يجدون أنفسهم أمام مأزق وجودي. فالرعاة في السودان لا يملكون “حيازة ثابتة” للأرض كما يفعل المزارعون، بل يمتلكون الطريق والموسم والقطيع. نظام الترحال الموسمي شمالًا وجنوبًا، بحثًا عن المرعى والماء، هو جوهر حياتهم الاقتصادية والاجتماعية. ومع الحرب، أُغلقت كثير من المسارات التقليدية بفعل نقاط التفتيش وخطوط الجبهة وانتشار المجموعات المسلحة، ما اضطرهم للبقاء في جيوب محدودة، فتكدّست القطعان، وحدث رعي جائر، وتدهورت المراعي والغطاء الشجري، لتتفاقم الأزمة البيئية والاجتماعية معًا.

أزمة وجودية
يواصل الخبير طلعت مع تصاعد القتال، أُغلِقت كثير من مسارات الترحال التقليدية، إمّا ظاهريًا أو عمليًا، بفعل نقاط التفتيش وخطوط الجبهة وانتشار المجموعات المسلحة. ففي ولايات مثل القضارف وسنار والنيل الأزرق، لم يعد بإمكان الرعاة استخدام الممرات التي كانت تربط مراعي البطانة بمناطق السافانا الجنوبية، ما اضطرهم للبقاء لفترات طويلة في “جيوب آمنة” محدودة المساحة.

هذا الاختناق في الحركة أدّى إلى تكدّس القطعان في مناطق ضيقة، فتسبب في رعي جائر وتدهور سريع للمراعي وبقايا الغطاء الشجري. ومع الاكتظاظ وضعف الخدمات البيطرية، ازدادت الأمراض الحيوانية وخسر الرعاة آلاف الرؤوس من الماشية في بعض المناطق. كما تراجع إنتاج الألبان، وهو المصدر الرئيس لغذاء الأطفال في الأسر الرعوية، ما انعكس مباشرة في ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بينهم. إلى جانب ذلك، اضطرت كثير من الأسر إلى بيع ماشيتها بأسعار زهيدة، ما يعني استنزاف رأس المال الذي تمثّله الحيوانات بالنسبة لها. ومع تضييق المساحات وازدياد الضغط على الموارد، تصاعد الاحتكاك بين الرعاة والمزارعين حول المراعي والحواشات ومصادر المياه، لينشأ عن ذلك عنف محلي يتداخل مع عنف الحرب الشامل، ويُدخل المجتمعات في دوامة نزاعات متكررة على الأرض والكلأ.
أكبر أزمة تهجير في العالم.. 
وأضاف تصف التقارير الأممية والإقليمية ما يجري في السودان بأنه أكبر أزمة نزوح في العالم حاليًا. الأرقام الأساسية ترسم لوحة مأساوية: أكثر من 11.5 مليون شخص نزحوا داخل السودان نفسه، تاركين قراهم وحقولهم ومراعيهم بحثًا عن الأمان. وأكثر من 3.3 مليون لاجئ عبروا الحدود إلى تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وأفريقيا الوسطى، وهي دول تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وبيئية.ويُقدّر عدد الأطفال خارج المدارس بنحو 17 مليون طفل، ما يعني جيلًا كاملًا مهدّدًا بالضياع التعليمي.أمن غذائي على حافة الانهياربحسب تحليلات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، كان حوالي 21.2 مليون شخص (نحو 45 بالمئة من السكان المُحلّلين) في حالة أزمة غذائية أو أسوأ بحلول سبتمبر 2025 (المرحلة الثالثة وما فوق) وحتى في موسم الحصاد (أكتوبر 2025 – يناير 2026)، ظل قرابة 19.2 مليون شخص في مستويات الأزمة أو الطوارئ أو المجاعة.
كما سجّلت أكثر من 60 بالمئة من المناطق المُقيّمة معدلات سوء تغذية حاد تتجاوز العتبة الطارئة (15 بالمئة)، فيما تجاوزت بعض مناطق دارفور الكبرى عتبة 30 بالمئة، وهي إحدى علامات المجاعة المعترف بها دولياً. ويُتوقّع أن يعاني أكثر من 3.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد في 2025.

حلقة الكوارث المغلقة
المفارقة المؤلمة أن النازحين، وهم يحاولون النجاة، يُضطرّون غالبًا إلى مزيد من استنزاف البيئة: قطع الأشجار من أجل الوقود، وتحويل الأراضي الهامشية إلى زراعة طارئة، والرعي المكثف حول مخيمات النزوح، ما يعمّق دائرة التدهور البيئي الذي كان أحد عوامل النزوح في المقام الأول.هكذا تتجلى الحلقة المفرغة حين تتغذّى الكوارث على بعضها. ما يجعل أزمة السودان مختلفة ومرعبة في آن واحد، هو أن عناصرها الثلاثة لا تتحرك في خطوط متوازية؛ بل تتغذى على بعضها في حلقة مغلقة قاسية.تغيّر المناخ يقلّص الأمطار ويرفع درجات الحرارة، فتضعف خصوبة التربة ويتسارع الجفاف.التصحر يزحف على الأراضي الزراعية والمراعي، فتشتد المنافسة على الموارد بين المزارعين والرعاة والمجتمعات المحلية.
الحرب تدمّر ما تبقى من بنى تحتية، وتُسقط مؤسسات الإدارة والرقابة، وتُجبِر الناس على النزوح والاستنزاف الاضطراري لما تبقى من موارد.هكذا يصبح المزارع النازح مضطرًا لقطع شجرة من أجل طهي وجبة، والراعي المحاصر مضطرًا للرعي في آخر ما تبقّى من مرعى هش، فيتعجّل الجميع من دون قصد تدهور الأرض التي يعتمد عليها مستقبلهم.

تهديد دائم.. 
قطع بالقول من دون وقفٍ فعّالٍ لإطلاق النار، وبرامج جادة للتكيّف مع التغيّر المناخي، وخطط وطنية حقيقية لاستعادة الغابات والأراضي المتدهورة، لن تبقى أزمة السودان مجرد حالة طارئة يمكن تجاوزها؛ بل ستتحول إلى تهديد دائم بفقدان أجزاء واسعة من البلاد لقدرتها على إعالة سكانها، وتحويل الملايين إلى مشردين دائمين داخل السودان وخارجه.

حمى الزراعة الآلية
فيما قال الخبير البيئي د..؟ عيسى عبداللطيف منذ أوائل السبعينات، حين أصدرت حكومة مايو قانون الأرض الذي جعلها ملكًا للدولة، بدأت موجة ما عُرف بـ”حمى الزراعة الآلية”. أراضٍ شاسعة من المراعي والغابات في غرب السودان انتُزعت من القبائل وسُجلت باسم الدولة، ثم وُزعت على كبار المستثمرين المحليين والأجانب لزراعة محاصيل نقدية كالقطن والسمسم والذرة.في البداية بدت هذه الأراضي خصبة، لكن إزالة الغابات جعلها هشة أمام الرياح والأمطار، وسرعان ما فقدت خصوبتها وزحف عليها التصحر. هذا التوسع الزراعي غير المدروس لم يدمّر البيئة فحسب، بل أشعل نزاعات بين الرعاة والمزارعين على الموارد، وزاد هشاشة المجتمعات أمام جفاف الثمانينات الذي ضرب الساحل الأفريقي.ومع موت الحيوانات وفشل المشاريع الصغيرة، بدأ النزوح الجماعي نحو المدن، ليس بسبب الحرب وحدها، بل أيضًا بسبب المجاعة والتصحر الذي صنعته السياسات الحكومية نفسها.

غياب السياسات الوقائية.. 
قال منذ عقود، كان غياب السياسات الوقائية أحد أخطر العوامل التي جعلت السودان هشًّا أمام التصحر والجفاف. الحكومات المتعاقبة لم تضع خططًا علمية لحماية البيئة أو دعم المجتمعات المحلية، واكتفت بسياسات مركزية تركز على الجبايات بدل التنمية الريفية. ومع تراجع الاهتمام بالريف، انهار الإنتاج الزراعي وتدهورت سبل العيش، فارتفع الفقر والتخلف، وأصبح النزوح نتيجة حتمية.دارفور كانت النموذج الأوضح أرض فقدت خصوبتها، مجتمعات فقدت مواردها، وحرب وجدت بيئة هشة لتشتعل فيها. هكذا اجتمع المناخ والسياسات والحرب ليصنعوا مأساة النزوح واللجوء التي يعيشها الملايين اليوم.
أزمة مزدوجة….
من ناحيته قال الخبير في مجال الرعي الدكتور عبد المنعم عثمان إن الحرب والتغيرات المناخية اجتمعتا لتشكيل أزمة مزدوجة على قطاع الثروة الحيوانية. فالجفاف وتذبذب الأمطار أدى إلى تقلص المساحات الخضراء، بينما دفعت الحرب القطعان إلى التكدس في رقعة محدودة، ما تسبب في رعي جائر وضغط شديد على المراعي. أضاف أن الآبار التقليدية لم تعد توفر الكميات المطلوبة من المياه بسبب نقص الوقود وارتفاع التكلفة، في حين أن الخسائر المباشرة شملت نفوق أعداد كبيرة من الماشية نتيجة القتال وحرائق المراعي. وأوضح أن تعطّل منظومة التصدير وتوقف الأسواق المحلية، بجانب عمليات النهب والسلب التي تعرضت لها القطعان، جعلت الرعاة بين عطش الأرض ونار الحرب، وهو ما انعكس على الأمن الغذائي والإنتاجية في السودان.

خسائر كبيرة..
يؤكد وزير الثروة الحيوانية ووزير الزراعة والغابات السابق بولاية شرق دارفور أنه منذ اندلاع الحرب في العام 2023 لم تُجرَ أي تقديرات جديدة لحجم الثروة الحيوانية بالولاية، موضحًا أن إجمالي الثروة الحيوانية يقدَّر بحوالي 24 مليون رأس من الأنعام المختلفة تشمل الأبقار، الأغنام، الضأن، والماعز.وأشار الوزير إلى أن القطاع تكبّد خسائر كبيرة منذ العام 2023 وحتى الآن، في ظل غياب اللقاحات والتطعيمات الكافية، مما اضطر العاملين إلى مواصلة العمل بجهد المقل.

وأضاف أن قطاعي الثروة الحيوانية والزراعة تأثرا بشكل بالغ بالأوضاع الراهنة، حيث تتفاقم المشكلات الناتجة عن الاحتدام بين الرعاة والمزارعين، إضافة إلى تحديات فتح المراحيل.
فيما يتعلق بجانب الزراعة، أوضح الوزير أن تحسين المحاصيل ومراحل الإنتاج يواجه صعوبات كبيرة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويؤرق الجهات المعنية بالقطاعين الحيويَّين. كشف أن الحرب والتغيرات المناخية تسببتا في أزمة زراعية عميقة بشرق دارفور، وأن الحل يتطلب إعادة إعمار البنية التحتيةالزراعية والاقتصادية ، دعم المزارعين، وتوفير المياه والطاقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى