مقالات

حين يعود الطالب إلى داخليته.. تعود الروح للسودان

د. محمد خليفة صديق:

بالنسبة لطالب سوداني أنهكته الحرب وشرّدته الظروف، تكون الغرفة في الداخلية الجامعية، بسريرها المتواضع، ومستلزماتها الأخرى، وبقية المرافق من حمامات وصالات طعام وملاعب ومكتبة ومسجد هي العنوان للوطن، الذي يهتم ببنيه من الطلاب والطالبات، حملة مشاعل العلم والتنوير، وتلك المروحة أو المكيف في غرفته هي النبض الذي يُخبره أن الحياة مستمرة، وذاك الضوء في ذات الغرفة هو النافذة التي يرى عبرها مستقبل سودان الغد!
ولذا نقول بملء الفم أن معركة إعادة إعمار الداخليات التي بدأها الصندوق القومي لرعاية الطلاب هي إحدى أقدس معارك السودان لاستعادة الروح، والنهوض من بين الركام، وبناء مستقبل أبنائنا، وكما قال بروفسور كامل إدريس رئيس الوزراء في إفتتاح المرحلة الثانية من ملحمة الإعمار: أن إعادة إعمار الداخليات معركة وطنية لا تقل أهمية عن المعركة القتالية، وهذه المشروعات تمثل معجزة جديدة من معجزات الشعب السوداني، تعكس إرادة البناء والإعمار.
ثم جاء إجتماع مجلس أمناء الصندوق القومي لرعاية الطلاب، في دورة انعقاده الثانية الطارئة للعام 2026، برئاسة رئيس الوزراء، والرئيس المناوب بروفسور أحمد مضوي موسى ليدعم لقرار إغلاق مراكز الجامعات خارج مقارها الأصلية، وعودة مؤسسات التعليم العالي إلى العاصمة والولايات التي تضررت بالحرب، مع إجازة عدد من التوجهات الرامية إلى تسريع إعادة إعمار المدن الجامعية وتوفير التمويل اللازم لاستكمال مراحل التأهيل.
وأبلغ الأمين العام للصندوق القومي لرعاية الطلاب د. أحمد حمزة الأمين الرأي العام السوداني والخارجي أن الصندوق نجح في تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية من مشروع إعمار الداخليات بالاعتماد على الموارد الشعبية، وإسهامات حكومات الولايات، وموارده الذاتية، وأن نتائج ذلكشملت تأهيل 60% من داخليات ولاية الجزيرة، و50% من داخليات ولاية سنار، و32% من داخليات ولاية الخرطوم، واكتملت أعمال الصيانة بدرجات كبيرة في الولايات الآمنة، خاصة الداخليات التي استُخدمت لإيواء النازحين خلال الحرب، وهذا يثبت حقيقة واحدة: أنه لا يوجد مستحيل إذا تلاحمت الإرادة السودانية!.
كما واصل الصندوق دعم خدمات الإعاشة والمجمعات السكنية التي كانت تمولها وزارة المالية، مع الحاجة إلى إدخال أنظمة الطاقة الشمسية لضمان استقرار خدمات الكهرباء بالمجمعات، كما يعمل الصندوق على دعم الإجلاس والوجبة الطلابية، وإطلاق مشروعات لإقراض الطلاب عبر شركة المستقبل وبرامج التمويل الأصغر.
كان إجتماع مجلس أمناء الصندوق حافلا بالأفكار والمبادرات النيرة لتأكيد أن قرار عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية ودعم الصندوق القومي لرعاية الطلاب هو قرار يعبر عن إرادة أمة، لكن هذه الخطوة لن تكتمل ولن تُؤتي أكلها إلا بوقفتنا جميعاً. فالجامعة ليست مجرد مدرج أكاديمي، بل هي مجتمع ودولة مصغرة، والداخلية بالنسبة لآلاف الطلاب القادمين من ولايات بعيدة هي الشرط الأساسي والوحيد لمواصلة التعليم؛ فالصندوق القومي هو خط الدفاع الأول عن مستقبل أبنائنا.
الرئيس المناوب لمجلس أمناء الصندوق كشف أن المرحلة السادسة لتأهيل المدن الجامعية تتطلب 15.5 مليار جنيه، وهذا رقم قد يراه البعض كبيراً، لكنه يبدو ضئيلاً جداً حين نضعه في ميزان كرامة أبنائنا ومستقبل بلادنا، وفي ميزان الدولة والجهود الشعبية، كم يساوي أن يجد طالبنا مكاناً آمناً، ووجبة تُقيم صلبه، ومياه وكهرباء تحفظ له آدميته؟ وكم ستكون التكلفة باهظة إذا ضاع جيل كامل بسبب عجزنا؟
عضو مجلس الأمناء الوزير التهامي الزين حجز قال أن أكثر من 564 ألف طالب وطالبة جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية هذا العام، ويحتاجون أن نهيىء لهم المقام وهم على بعد خطوة من دخول الجامعات، حاثا رجال الأعمال والخيرين والمجتمع السوداني والمسؤولية المجتمعية في المؤسسات للقيام بدورهم في إعمار داخليات الطلاب.
أحسن جهاز المخابرات العامة بتبني مشروع إعادة إعمار داخلية الشهيد معمر فضل في الخرطوم بحري، وننظر المزيد منه ومن منظومة الصناعات الدفاعية وشركة زادنا وغيرها.
إذن المطلوب نفرة وطنية شاملة، وقفزة من التبرع إلى الشراكة، ونداء لأبناء السودان في الداخل والخارج، ورجال الأعمال، وصُنّاع القرار في المؤسسات والشركات: أن الطالب أولاً!، وقد قدم التجار وأصحاب المصانع في شندي ودنقلا وأبو حمد ضرباً رائعاً من الوطنية حين تكفلوا بتوفير المراوح والطلاء ومستلزمات السباكة والكهرباء والصيانة لداخليات مناطقهم. واليوم، من هذا المنبر نناشد كل المكونات الوطنية لتحويل هذا الجهد الفردي إلى نفرة قومية ومسؤولية مجتمعية شاملة:
شركات الاتصالات والمعادن والمؤسسات الإيرادية: أين دوركم في تبني المدن الجامعية وصيانتها بالكامل، لماذا لا تقوم مدن جامعية باسم سوداني، زين، أم تي إن، كنار؟
القطاع الخاص والمصارف: اجعلوا استثماراتكم في رأس المال البشري؛ توفير الطاقة الشمسية، المياه، والوجبات للطلاب هو الاستثمار الأبقى.
أبناء وبنات الرجال الذين يحملون أسماء المدن الجامعية الراقية: مدينة إبراهيم مالك، مدينة حجار، مدينة داؤود عبد اللطيف.. هلموا لإعمار وتأهيل هذه الداخليات التي تحمل أسماء آباكم لتكون صدقة جارية لهم.
المجتمع المدني والمنظمات وأبناء السودان بالخارج: تأهيل الغرف، توفير المعينات، والوجبات، ودعم جهود صندوق رعاية الطلاب هي أفعال تُنقذ مستقبلاً كاملاً من الضياع.
الأولوية اليوم سكن آمن، مياه، كهرباء، غذاء، وصحة. كل تأخير في تأهيل داخلية يعني يوماً إضافياً من الضياع لطالب ينتظر العودة بفارغ الصبر.
إن إعادة بناء السودان والعاصمة والولايات التي تأثرت بالحرب لا تبدأ من سكب الخرسانة في المباني، بل تبدأ من بناء الإنسان؛ فالداخلية ليست مكانا للنوم فحسب؛ إنها الساحة التي يُكتب فيها البحث الأول، وتُقرأ فيها أمهات الكتب، وتُبنى فيها الصداقات، ويُولد فيها قادة المستقبل من أطباء ومهندسين ومعلمين. حين ترمم غرفة طالب، فنحن لا نصلح جداراً.. نحن نُعيد ترميم حلم سوداني.
دعونا نجعل من المرحلة الثالثة التي يرعاها رئيس الوزراء ملحمة تكافل سودانية أصيلة. لنتكاتف جميعاً: حكومة، وقطاعاً خاصاً، ومجتمعاً، وأفراداً. نبني ونؤهل داخلياتنا.. لنستعيد جامعاتنا.. ونبني الإنسان الذي سيعيد بناء السودان.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى