تصديق أُلغي.. وشركةٌ تتمسك بالترخيص : من يحمي مفاتيح السودان المالية؟

رانيا عمر:
إذا كانت العسجد تملك خبرة إقليمية حقيقية في تشغيل البنية التحتية للمدفوعات، فأين هي تراخيصها المماثلة؟ ومع أي بنوك مركزية عملت؟ وهل مُنحت في أي دولة صلاحية الوصول إلى قواعد البيانات المصرفية؟ وإذا لم تكن لديها تجربة مماثلة خارج السودان،
«فلماذا كان السودان هو الساحة التي يُطرح فيها مشروع يمس واحداً من أكثر الأصول حساسية في الدولة: بيانات القطاع المصرفي؟» .
هذه الأسئلة لا تستهدف شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية، ولا تشكل حكماً مسبقاً على سلامة موقفها القانوني. لكنها أسئلة تفرض نفسها بقوة بعد قرار بنك السودان المركزي إلغاء التصديق الممنوح للشركة، وبعد إعلان الرئيس التنفيذي للشركة، د. عسجد يحيى الكاظم، في تصريحات صحفية منشورة في 17 أغسطس، أن الشركة بدأت إجراءات قانونية للطعن في القرار والتمسك بحقوقها.
القضية في ظاهرها خلاف حول ترخيص ومشروع في مجال التكنولوجيا المالية، لكنها في جوهرها أكبر من ذلك بكثير. نحن أمام قطاع يتعلق بحركة أموال المواطنين، وربط المصارف، وتبادل المعلومات المالية، والبنية التحتية للمدفوعات. وفي بلد يعيش ظروفاً استثنائية بسبب الحرب وما صاحبها من مخاطر أمنية وتشغيلية، يصبح السؤال عن الجهة التي يمكن أن تصل إلى البيانات المصرفية، وكيف تصل إليها، وأين تُخزَّن، ومن يملك مفاتيح إدارتها، سؤالاً يتعلق بالأمن المالي الوطني، وليس بمجرد صفقة تجارية.
ولهذا فإن البداية الصحيحة يجب أن تكون من مؤسسة الدولة صاحبة الاختصاص: بنك السودان المركزي.
البنك أوضح أن تطوير نظم الدفع الوطنية يقوم على الفصل بين الدور التنظيمي والدور التشغيلي؛ فالبنك يضع السياسات واللوائح، ويمنح التصاديق، ويعتمد الأنظمة، ويشرف ويراقب جميع مكونات المنظومة، بينما تتولى الجهات المصدق لها الجوانب الفنية والتشغيلية وفق الضوابط المحددة.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الحصول عليه لا يعني أنها أصبحت صاحبة حق مكتسب في دخول النظام المصرفي من دون قيود. وفق ما أكده البنك، لا يمنح تلقائياً حق تقديم الخدمات للمصارف، كما أن أي ربط أو تكامل تقني أو تشغيل للخدمات يحتاج إلى موافقة كتابية مسبقة من البنك المركزي.
ومن هنا يصبح السؤال : إذا كانت الموافقات الرقابية على الربط والتشغيل منفصلة عن مجرد الحصول على التصديق فلماذا ظهر مشروع العسجد للرأي العام وكأنه دخل بالفعل مرحلة التعاقد والتدشين والاحتفال، قبل اكتمال المسار الرقابي النهائي؟
والسؤال ليس موجهاً إلى الشركة وحدها.
بل يجب أن يُطرح أيضاً على الجهات التي كانت تتعامل مع المشروع، وعلى كل من شارك في مراحل التفاوض والتوقيع والتجهيز: هل كان العقد نهائياً ونافذاً ومستوفياً لكل الموافقات؟ أم كان عقداً مشروطاً باستكمال متطلبات رقابية لاحقة؟
الفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً إدارياً.
إن كان عقداً نهائياً، فما طبيعته وآثاره في ظل قرار بنك السودان المركزي اللاحق؟
وإن كان مشروطاً بموافقات لاحقة، فكيف أصبح الاحتفال بالتوقيع مقدماً وكأن المشروع اكتمل؟
هذه أسئلة يمكن للوثائق وحدها أن تحسمها.
أما السؤال الأخطر فيبقى متعلقاً بالبيانات.
شركة تعمل في مجال البنية التحتية للمدفوعات قد لا تتعامل فقط مع أرقام معاملات عابرة، بل يمكن أن تكون جزءاً من منظومة قد تتقاطع فيها بيانات العملاء والحسابات وحركة الأموال والمعلومات التشغيلية للمصارف. ولهذا فإن السماح لأي جهة بالدخول إلى هذه المنظومة يفترض تدقيقاً مضاعفاً في الخبرة والحوكمة والأمن السيبراني واستمرارية الأعمال ومكان استضافة البيانات وصلاحيات الوصول إليها.
وهنا تظهر مسألة الوجود الإقليمي للشركة.
العسجد قالت إن وجودها التجاري في الإمارات وقطر ومصر لا يعني ملكية أو تمويلاً أو ارتباطاً سياسياً إماراتياً، وإن وجود الفروع يأتي في إطار توسعها الإقليمي. وهذه نقطة تخص الشركة، ومن حقها توضيحها.
لكن وجود فرع تجاري في دولة ما ليس هو السؤال الحقيقي.
السؤال الحقيقي هو: ما الذي تفعله هذه الفروع؟
هل هي كيانات تجارية وإدارية فقط؟
أم أنها تمارس النشاط نفسه الذي طلبت الشركة ممارسته في السودان؟
وهل حصلت تلك الكيانات في الإمارات أو قطر أو مصر على تراخيص من البنوك المركزية أو الجهات الرقابية المختصة لممارسة نشاط مماثل؟
وهل لديها اتفاقيات مماثلة مع المصارف هناك؟
وهل سبق أن مُنحت صلاحية تشغيل أو معالجة أو تجميع بيانات على نطاق واسع؟
وهل توجد لديها بنية تحتية مماثلة في تلك الدول، أم أن مشروع السودان هو التجربة الأولى بهذا الحجم؟
هذه ليست أسئلة تشكيك.
بل هي أسئلة تحقق مهني.
فإذا كانت الشركة تملك سوابق تشغيلية وتنظيمية مماثلة في دول أخرى، فذلك يمكن أن يكون أحد أقوى عناصر الدفاع عن خبرتها أمام بنك السودان والقضاء.
وإذا لم تكن لديها مثل هذه السوابق، فمن الطبيعي أن يسأل البنك المركزي: لماذا يُمنح مشروع بهذه الحساسية لشركة لم يثبت بعد أنها أدارت منظومة مماثلة في بيئة مصرفية أخرى؟
بل إن السؤال يصبح أكثر أهمية في ظل الظروف السودانية الحالية.
السودان ليس سوقاً مصرفية مستقرة تعمل في ظروف عادية. البلاد خرجت من سنوات من الاضطراب وتعيش حرباً أثرت على البنية التحتية والاتصالات والقطاع المصرفي. وفي مثل هذه الظروف، يجب أن تكون معايير الأمن السيبراني واستمرارية الأعمال وحماية البيانات أكثر صرامة.
فإذا كانت الحرب قد جعلت أمن البيانات مسألة أمن قومي، فهل يمكن أن تكون قواعد البيانات المصرفية مجالاً للتجربة؟
الإجابة يفترض أن تكون: لا.
وهنا تحديداً يصبح قرار بنك السودان المركزي أكثر قابلية للفهم من زاوية مؤسسية.
البنك لا يملك رفاهية التعامل مع منظومة المدفوعات كما لو كانت مشروعاً تجارياً عادياً. فإذا حدث اختراق، أو تعطل النظام، أو تسربت البيانات، أو حدث خلل في الربط بين المصارف، فلن يكون السؤال: «أين الشركة؟» فقط.
السؤال سيكون: أين كان البنك المركزي؟
وهذه هي المفارقة التي يجب ألا تغيب عن النقاش.
عندما يتدخل البنك المركزي لحماية النظام المالي، يتهمه البعض بالتضييق على الاستثمار.
وعندما لا يتدخل بعد حدوث مشكلة، يُسأل لماذا لم يراقب ولم يمنع.
الدولة لا تستطيع أن تربح في الحالتين إذا كان المطلوب منها أن تتنازل عن صلاحياتها الرقابية حتى لا تغضب شركة أو مستثمراً.
والاستثمار الجاد نفسه لا يحتاج إلى دولة ضعيفة.
بل يحتاج إلى دولة لديها قواعد واضحة، ومؤسسات رقابية قوية، ومعايير واحدة تُطبَّق على الجميع.
طومن هنا أيضاً يصعب فهم تحويل وجود بعض البنوك السودانية في الإمارات إلى حجة في مواجهة القرار الرقابي.
نعم، هناك مؤسسات وشركات سودانية لها وجود تجاري أو مصرفي خارج السودان، لكن وجود بنك سوداني في دولة أخرى لا يعني أن شركة خاصة تحصل تلقائياً على الحق في تشغيل جزء من منظومة المدفوعات السودانية.
البنك الذي يعمل في الإمارات يخضع لقوانين ورقابة الجهات المختصة هناك، تماماً كما يجب أن تخضع الشركة التي تريد تشغيل بنية دفع داخل السودان لقوانين ورقابة بنك السودان المركزي.
فلماذا يصبح وجود فرع لبنك سوداني في الإمارات دليلاً في قضية شركة خاصة داخل السودان؟
السؤال هنا لا يتعلق بالإمارات، وإنما بمبدأ الاختصاص الرقابي.
والأكثر إثارة للاهتمام أن الشركة، بحسب ما نقلته التقارير، لا تكتفي بالدفاع عن سلامة إجراءاتها، وإنما أعلنت اللجوء إلى القضاء للطعن في قرار إلغاء الترخيص.
وهذا حق أصيل.
لكن يجب أن نعرف بدقة ما الذي تطلبه الشركة من القضاء.
هل تطلب إلغاء قرار سحب الترخيص؟
أم تطلب إعادة الترخيص؟
أم تريد تثبيت عقد أو إلزام بنك السودان المركزي بالمضي في مشروع معين؟
لأن هذه مسائل قانونية مختلفة تماماً.
إذا كان هناك عقد ملزم ونهائي، فإن المحكمة يمكنها بحث آثاره.
أما إذا كان المشروع مشروطاً بموافقات رقابية لم تستكمل، فإن مجرد وجود توقيع لا يعني بالضرورة أن الدولة فقدت صلاحيتها في المراجعة أو الإلغاء.
والأهم أن الترخيص ليس عقداً، والعقد ليس حقاً أبدياً، والموافقة الأولية ليست حصانة ضد المراجعة الرقابية.
وهنا تأتي نقطة لا تقل أهمية: هل يمكن لشركة لديها وجود في عدة دول، وتقول إنها تعمل بخبرة أكثر من عشر سنوات في القطاع المالي والتقني، أن تكون غير مدركة لتعقيدات الإجراءات التنظيمية في مشروع يتعلق بالمدفوعات الوطنية؟
إذا كانت الشركة لديها مستشارون ومحامون وخبرات قانونية كما يفترض في أي مشروع بهذا الحجم، فمن الطبيعي أن تكون قد درست بدقة الفرق بين الترخيص والموافقة على الربط والتشغيل، وبين التفاوض والعقد النهائي، وبين إطلاق مشروع إعلامياً وبين اكتمال جميع الموافقات التنظيمية.
وإذا كان هناك خلاف حول تفسير هذه الإجراءات، فالقضاء هو المكان الطبيعي للفصل فيه.
لكن لا ينبغي أن يتحول الخلاف إلى محاولة لإضعاف مؤسسة الدولة أو التشكيك في حقها الأساسي في حماية النظام المصرفي.
فبنك السودان المركزي قد يخطئ، مثل أي مؤسسة، وقراراته قابلة للمراجعة والطعن وفق القانون.
لكن هذا لا يلغي حقيقة أساسية: البنك المركزي هو الجهة التي تتحمل المسؤولية النهائية عن استقرار النظام المصرفي وسلامة نظم الدفع.
والسؤال الذي يجب أن يحكم النقاش ليس: «هل العسجد شركة سودانية؟»
ولا: «هل لها وجود في الإمارات؟»
ولا حتى: «هل تملك خبرة تقنية؟»
بل السؤال الأكثر أهمية:
هل استوفت الشركة كل الشروط الفنية والقانونية والأمنية التي تؤهلها للوصول إلى البنية التحتية الحساسة للمدفوعات الوطنية؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فلتظهر الوثائق.امام القضاء .
وإذا كانت الإجابة لا، فمن حق بنك السودان المركزي، بل من واجبه، أن يقول: لا.
وفي النهاية، فإن لجوء العسجد إلى القضاء لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تحدياً للدولة، كما لا ينبغي أن يُنظر إلى قرار البنك المركزي باعتباره حرباً على القطاع الخاص.
القضاء يفصل في حقوق الشركة، والبنك المركزي يحمي النظام المالي، والشركات تقدم التكنولوجيا والخبرة.
لكن هناك شيئاً واحداً لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان:
بيانات السودانيين وأموالهم ليست مجالاً للمجاملة، ولا للتجربة، ولا للضغط الإعلامي.
ومن حق السودان أن يعرف، قبل أن يمنح أي شركة مفاتيح جزء من بنيته المالية:
أين نجحت هذه الشركة في تنفيذ المشروع نفسه؟ من الذي رخص لها؟ من الذي راقبها؟ هل سبق أن ائتمنها بنك مركزي آخر على بيانات عملائه؟ وأين توجد هذه البيانات اليوم؟ ومن يملك مفاتيح الوصول إليها؟
هذه الأسئلة لا تعادي العسجد.
بل هي الأسئلة التي يفترض أن تطرحها أي دولة جادة قبل أن تسلّم جزءاً من منظومتها المالية لأي جهة، مهما كانت خبرتها أو اسمها أو امتدادها الإقليمي.
وفي هذه القضية تحديداً، يبقى قرار بنك السودان المركزي واضحاً: التصديق أُلغي، والقرار له مساره القانوني، ومن يرى نفسه متضرراً فله القضاء.
أما ما عدا ذلك، فلا ينبغي أن تُدار حماية النظام المصرفي بمنطق العلاقات أو الاحتفالات أو الضغط الإعلامي.
الدولة تفتح الباب أمام الابتكار، لكنها لا تسلّم مفاتيح بياناتها إلا بعد أن تتأكد تماماً: لمن تسلّمها، ولماذا، وتحت أي قانون، وتحت أي رقابة.


