فقدنا البوصلة.. والوطن خارج المشهد

الكاتبة الإعلامية: عبير نبيل
فقدنا البوصلة، وفقدنا الاتجاه إلى أرضنا، ولم نعد نعرف بعد الآن: أين السودان؟
كنا وقود حربٍ لم نختر الصراع فيها، ودخلنا عصر الظلام والجهل؛ ليس جهل القراءة والكتابة، وإنما جهل الوعي والإدراك؛ جهل أن مصير الوطن يبدأ منا، وأن الوطن ليس حاكمًا يجلس على كرسي، ولا حزبًا يرفع شعارًا، ولا بندقيةً تفرض حضورها، ولا صورةً تُلتقط على منصة.
الوطن نحن، لكن جهلًا نهش العقول، حتى طال الحكام أنفسهم، وأصبح كبير قومنا يتعامل مع الأزمات وكأنها صورة ومقطع يُشاهد، لا واقعًا يحتاج إلى حلول، ولا إنسانًا يحتاج إلى حياة
ثم أُسدل الستار.
انتهت المسرحية في ظاهر المشهد، لكن الفصول الحقيقية لم تنتهِ، بل لعلها بدأت الآن.
ضياع الوعي
فحين يضيع الوعي، يصبح الوطن قابلًا للتجزئة في العقول قبل أن يتجزأ في الواقع؛ فيُقسَّم السودان إلى أحزاب، وتصبح الغلبة للسلاح والأقوى، وتُرفع المبادرات بالشعارات، وتُستخدم شعارات تخديرية لتخدير أكبر قدر ممكن من الشعب.
ومن لا يسري فيه التخدير، ينهكه اقتصاد يأكل الغلابى، ويضيّق على الناس أرزاقهم، وتُكمَّم الأفواه؛ إما خوفًا، وإما جوعًا.
ثمّة خطة إعلامية ساذجة تُدار بالقوة والسلاح والسلطة، ومشاهد تتكرر حتى يفقد المشاهد قدرته على التمييز بين الصورة والحقيقة.
وهنا يصبح المشهد اليومي نفسه جزءًا من الحكاية.
مشهدٌ مثل طلمبة البنزين.
صفوف تملأ المكان، ومواطن ينتظر، وأزمة يراها بعينيه، ثم تأتي الصورة من مكان آخر لتقول شيئًا مختلفًا.
وهنا لا تصبح طلمبة البنزين مجرد طلمبة.
تصبح مرآة، مرآةً تسألنا: من يكتب الحقيقة؟ الصورة التي يعيشها المواطن، أم الصورة التي تُقدَّم إليه؟
ومن هنا لا يعود السؤال فقط عن مشهدٍ عابر، ولا عن صورةٍ تظهر على شاشة ثم تختفي.
السؤال يصبح أكبر:
كم سودانًا أصبح داخل السودان؟
سودانٌ يراه الناس في الصورة، وسودانٌ آخر يعيشه الناس في الشارع، وبينهما وطنٌ يبحث عن الحقيقة.
حين يصبح الواقع هو الشاهد
أنا لا أكتب من خلف نافذة بعيدة.
أنا أكتب من داخل هذا المشهد، من أرضٍ تعرف معنى أن يضغط الاقتصاد على الإنسان، وأن يصبح الخوف جزءًا من الحياة، وأن يتحول السؤال من: ماذا سيحدث للوطن؟ إلى سؤالٍ أكثر إلحاحًا: كيف سنعيش؟
ولهذا فإن واجب القلم ليس أن يجمّل المشهد، ولا أن يصفق لصورة، ولا أن يصنع بطلًا من ورق.
واجب القلم أن يقول الحقيقة دون تزييف.
أن ينظر إلى الصورة، ثم يسأل عما وراءها.
أن يسمع الخطاب، ثم يسمع المواطن. أن يرى المنصة، ثم ينظر إلى الصف الطويل خارجها. أن يسمع الحديث عن الوطن، ثم يسأل:
أين الوطن؟
لكن السؤال عن الوطن لا يكفي وحده.
فبعد أن نعرف أين يقف الخلل، يبقى السؤال الأصعب:
ماذا نفعل؟
وهنا تأتي مرارة العلاج، الآن لا نحتاج إلى تشخيصٍ جديد. نعرف المرض، ونعرف أعراضه، ونعرف أين يؤلمنا. ولكن العلاج مُر.
والمرارة هنا ليست في الدواء، وإنما في القرارات التي يجب أن نتخذها، وفي التنازلات التي يجب أن نقدمها، وفي الأشياء التي يجب أن نعترف بها كما هي، لا كما نريد أن تكون.
لا يوجد علاجٌ حلو المذاق لوطنٍ أُنهك إلى هذا الحد.
هناك حقيقة يجب أن تُقال، ووعي يجب أن يعود، وسلاح يجب أن يصمت، وحقوق يجب ألا تضيع، واقتصاد يجب أن يُعاد بناؤه، وإنسان يجب أن يعود إلى مكانه الطبيعي في مقدمة المشهد.
قد يؤلمنا العلاج، وقد لا يرضي الجميع، وقد يأخذ وقتًا، لكن الاستمرار في المرض لا يقود إلى التعافي.
الخلاصة:
لا تحتاج هذه المسرحية إلى فصلٍ جديد، كل ما نحتاجه هو أن يستعيد السودان بوصلته.
فالحل ليس في مشهدٍ جديد، ولا في شعارٍ جديد، ولا في بطلٍ جديد من ورق.
الحل أن نعود إلى أصل الحكاية:
إلى الإنسان، وإلى الوطن، وإلى وعيٍ يعرف أن السودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من السلاح، وأكبر من الأشخاص.
أن نعرف أن الوطن لا يُبنى بالغلبة، ولا تُصان كرامته بالصمت، ولا تُكتب نهايته على منصّة.
نحن أمام خيارٍ واحد لا يحتمل التأجيل:
إما أن نكون.. أو لا نكون.
أن نكون وطنًا واحدًا، وشعبًا يعرف أن اختلافه لا يعني اقتتاله، وأن السياسة ليست بندقية، وأن السلطة ليست وطنًا، وأن الوطن لا يُختصر في صورة أو خطاب.
إما أن نستعيد البوصلة، ونضع السودان أولًا، والإنسان أولًا، والعدالة أولًا.
أو نستمر في مشاهدة المسرحية، بينما يُسدل الستار شيئًا فشيئًا على وطنٍ كان يمكن أن يكون.
والفصل الأخير؟
ليس عندي وحدي، ولا عند حاكم، ولا عند حزب، ولا عند حامل سلاح.
الفصل الأخير عندنا جميعًا، إما أن نكون.. أو لا نكون
سلامٌ وأمان، فالعدلُ ميزان.
أنا الرسالة حين يضيع البريد..
أنا امرأة من حبر النار..
أكتب ما أراه، وأترك للكلمات أن تصل حيث يجب أن تصل؛ فالقلم حين يتعب من الشرح، يتكلم بالحقيقة.


