السفير عبدالقادر عبدالله: رجل من ذهب في أرض الذهب

بقلم/ د. محمد خليفة صديق:
تظهر معادن الرجال وتنجلي حكمة القيادة الرشيدة في أحلك الأوقات وتداعيات المحن الاستثنائية، لأن المحن هي التي تجلو المعادن، وتظهر المعدن النفيس من غيره. هكذا تجسد المشهد الميداني والدبلوماسي في محافظات صعيد مصر ومحافظة أسوان عقب تفاقم الأوضاع في السودان، ومشهد الحرب القاتم في السودان، حيث تداخلت الدوافع الإنسانية النبيلة مع الواجبات الوطنية وأعباء العمل البعثي. وفي هذه اللحظة الفاصلة، برز اسم السفير عبد القادر عبد الله، القنصل العام لجمهورية السودان في أسوان وجنوب مصر، بوصفه رمزاً للتضحية والإخلاص، ورجلاً ترك بصمة تاريخية لا تنسى ناصعة في أرض الذهب (أسوان) وما جاورها من محافظات تضم: الأقصر، سوهاج، الوادي الجديد، البحر الأحمر.
تزامن وصول السفير لأسوان مع التدفقات البشرية والأعداد الهائلة من المواطنين القادمين عبر المنافذ الحدودية، فكانت الأحوال تقتضي تحركاً ميدانياً تتجاوز أطره النمط الإداري السائد. أدرك السفير بحنكة ودراية حجم التحديات الشاقة، وسارع لمواجهة الفراغ الناجم عن غياب المكونات الهيكلية والجاليات السابقة عبر حشد الطاقات الإنسانية والمجتمعية. فقام برعاية وإطلاق “مبادرة الأشقاء المصرية السودانية”، وهي تكتل طليعي جمع المتطوعين من الجانبين، تحت قيادة الدكتور عبد العظيم عوض ومشاركة قامات مجتمعية وبرلمانية مثل النائب المصري ياسين عبد الصبور.
تحولت القنصلية بفضل إدارة السفير وطاقم البعثة لغرفة عمليات دؤوبة تعمل على مدار الساعة دون انقطاع.
وشملت تلك الترتيبات تقنين أوضاع القادمين، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، وتسهيل إجراءات دخول السيارات والمركبات، وتوفير خدمات الإيواء والعلاج بالتنسيق المباشر مع المستشفيات والمؤسسات الصحية المصرية، إلى جانب عمليات التسكين والتفويج نحو العاصمة القاهرة.
ولم يتوقف التطوير عند الأداء الميداني، بل امتد لتهيئة وتوسعة دار القنصلية بأسوان عبر إضافة صالات استقبال واسعة ومكاتب جديدة لاستيعاب المراجعين، ومرافق مختلفة ومكتبة جامعة، مع اعتماد آلية التواصل المباشر مع أفراد الجالية عبر المنصات الرقمية.
أولى السفير عبد القادر ملف التعليم رعاية خاصة، فأشرف بنفسه على متابعة تأسيس واعتماد العديد من المدارس السودانية في محافظات الصعيد. وتوجت هذه المساعي بإقامة أول مركز لامتحانات الشهادة السودانية بأسوان، وهو الإنجاز الذي أنهى معاناة مئات الأسر وأولياء الأمور ممن كانوا يتحملون مشقة السفر والتكاليف الباهظة للإقامة بالقاهرة. وقد حقق المركز نجاحاً أكاديمياً غير مسبوق، أثمر حصد الطالبة رهف الأمين المركز الأول على مستوى المراكز الخارجية في عام 2024، في حدث تاريخي يبرز حجم العناية والتهيئة النفسية والتربوية التي وفرتها البعثة الدبلوماسية.
اعتمد السفير في مختلف تحركاته على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع مؤسسات الدولة المصرية والمنظمات الدولية والمحلية. وأثمر هذا التنسيق الرشيد تيسير تدفق حركة العابرين عبر معبري قسطل وأرقين، وامتصاص الضغط الاستثنائي في النقاط الحدودية، وتأمين الكوادر المساعدة للتعامل مع الأزمات الطارئة. كما قدم القنصل العام نموذجاً راقياً في تنظيم وإشراف رحلات العودة الطوعية للراغبين في العودة لأرض الوطن، عبر تشكيل لجان متخصصة وغرف متابعة كفلت سلامة وراحة العائدين في كافة المراحل.
وفي إطار تنظيم شؤون المواطنين وتجميع الطاقات الوطنية، حث السفير على إعادة إحياء نشاط الجالية السودانية عبر اختيار لجنة تمهيدية للتأسيس بإشراف جهاز المغتربين. ورعى تشكيل روابط فئوية نوعية، كرابطة الطلاب السودانيين بالجامعات، وروابط سيدات الأعمال، والمعلمين. وامتد نشاطه الميداني لزيارة الصروح الأكاديمية في الصعيد، مثل جامعة سوهاج، لبحث التعاون العلمي والبحثي وتذليل العقبات وتوفير بيئة تعليمية حاضنة للطلاب السودانيين الدارسين هناك، بجانب اهتمامه بجامعة أسوان والطلاب السودانيين فيها، وسعيه الدؤوب لربط جامعة أسوان برصيفاتها في السودان، وتوقيع مذكرات التفاهم والاتفاقيات المشتركة.
تجلت الجوانب الإنسانية والثقافية في مسيرة السفير عبر مشاركته الفاعلة في المناسبات الاجتماعية الوطنية والخاصة لأهل أسوان والصعيد، مقاسماً إياهم الأفراح والأتراح، مما وطد جسور المودة والأخوة بين الشعبين. وأسهم الإعلام المتوازن والنشاط الثقافي للقنصلية في إحياء المناسبات الوطنية، وتكريم الشخصيات المؤثرة، وإبراز الموروث الحضاري والروابط التاريخية التي تجمع شعبي وادي النيل في لوحة متكاملة.
يمثل السفير عبد القادر عبد الله نموذجاً فذاً للدبلوماسي الملتزم والإداري القدير والمثقف الميداني. لقد استطاع بجهده المتواصل وحكمته أن يجعل من القنصلية العامة بأسوان مظلة جامعة وسنداً حقيقياً لكل مواطن سوداني في أحلك الأوقات، مؤكداً أن العمل الدبلوماسي الممزوج بالإنسانية والتضحية هو الذي يبقى أثره خالداً في الذاكرة والوجدان.


