حفريات المعرفة.. جردة الحساب التاريخية والشهادات الغائبة (٣/٣)

محمد الأمين ابوالعواتك:
(تحفة الكرام وسفائن الحجر) – المقريزي والسيوطي و تتبع الاثر القديم
لم تكن أطروحة الدكتور وسيم السيسي حول فيزيائية الأهرام ومصادر طاقة باطن الأرض، ولا الرؤية العميقة التي بسطها الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون حول الاهرام وعلوم النبي إدريس عليه السلام هما جهدا مفصولاً عن سياق الوعي التاريخي ، بل إن (المنهجية الترتيلية) عند الشيخ النيّل أبوقرون التي هي متكاملة الاثر في حدائق معرفية ممتدة مع أهمية الانتباه لانها دائما بذات المرجعية، تمثل سياق تأصيلي شامل ومتكامل لاعادة رسم جغرافيا الرسالات السماوية ، كانت الاهرام جزئية صغيره منها، فمكان وجودها البعيد اختيارا كان بسبب الطوفان الذي غمر في ذلك الزمان القبلة المقدسة جوار الجبل المقدس. وجهد هذه الحفريات المعرفيه تعضده مدرسة تدوينة رصينة من كبار مؤرخي وجغرافيي الأمة، الذين وثقوا تدوينا يضاد ما يقول به
( أهل الوصاية) الذين حصروا هذه المعالم الهندسية المعجزة في (وظيفة المقبرة الجافة)، ونظروا هم إليها بوصفها أعظم مستودع علمي وتكنولوجي شهده تاريخ البشرية لحفظ الوجود الروحي والمادي قبل الطوفان.
إن العودة إلى حفريات التراث تكشف لنا أن الشيخ تقی الدين المقريزي (١٣٦٤ – ١٤٤٢م)، وهو شيخ مؤرخي الديار المصرية وأستاذ المؤرخ ابن تغري بردي، قد أفرد في كتابه الموسوعي (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف (بخطط المقريزي) مساحات تفصيلية مدهشة حول بناء الأهرام ونقل و وثق اخبار روايات متعددة حول كيفية بنائها .
لقد نقل المقريزي في احدي هذا الاخبار أن (هرمس الأول) وهو النبي إدريس عليه السلام، الملقب عند الاقدمين ( هرمس المثلث بالحكمة) المعروف “باخنوخ”، الذي كان مستقرا في صعيد مصر الاعلي،
و هنا اشارة هامة لمكان استقراره في جغرافيا اليوم ، قد استدل من خلال نظره وتأمله في حركة الأفلاك والكواكب على قرب وقوع طوفان مائي عارم سيغمر الأرض ويهلك الحرث والنسل. وأمام هذا التحدي الوجودي، لم يوجه إدريس عليه السلام الهمة لبناء سفينة خشبية تجري على الماء فحسب، بل شرع في بناء (سفن من حجر) راسخة لا تقهرها الأمواج ولا تبيدها القرون وهي أهرامات الجيزة. وكان الهدف الأسمى من تشييدها هو جعلها مستودعاً حصيناً لجميع العلوم المكتشفة في ذلك الزمان من طب، وهندسة، وفلك، وكيمياء، طُمست وحُفرت في باطنها وجدرانها لكي لا تضيع الذاكرة المعرفية للبشرية بعد هلاك الديار، وهي علوم بالغة التقدم لم تدركها البشرية حتي الان.
هذا الفهم الحفري لم يكن معزولاً، بل أورده كذلك الإمام جلال الدين السيوطي (١٤٤٥ – ١٥٠٥م) في مصنفه الفريد وسماه (تحفة الكرام في خبر الأهرام). في هذا الكتاب اورد السيوطي روايات كذلك في عدة اخبار للبناء لكن الجديد فيها ما نقله عمن سبقه من الاخباريين، أن بناء الأهرام شُيِّد باستخدام العلوم الروحانية والطلاسم والنجامة. فبحسب القصة عندما أراد الملك الأسطوري (سوريد أو هرمس) بناءها لحفظ العلوم من الطوفان، استعان بالكهنة والمنجمين الذين قطعوا الحجارة العظيمة ورتبوها بطرق حسابية وفلكية معقدة، وزعموا أن الصخور كانت تُنقل وتُرفع إلى مكانها بفعل طلاسم سحرية معينة ورموز كُتبت عليها لتسهيل حركتها، وهي رواية تؤشر للبعد الأنثروبولوجي الذي يرى في الأهرام هي خزائن للعلوم والمعارف وسير الكواكب والسير الطبية.
إن التراث هنا عبر السيوطي والمقريزي وحتي روايات بن بطوطة، يعيد صياغة مفهوم (الأسطورة) ليعيدها إلى جذرها المكتوب، فالروايات التي وصمها حراس المؤسسات الأكاديمية التقليدية بالأمس واليوم بأنها (خرافات عامة) هي في أصل التدوين شهادات تاريخية كبرى توثق اللحظة التي التقت فيها (النبوة بالكتابة) و (العلم اللدني بالمعمار الهندسي). لقد كان (الهرامسة) أول من سطروا العلوم وغدت الأهرامات برمتها (مكتبة كونية مشفرة) ترفض عقليات الوصاية المعاصرة الاعتراف بها لأنها ببساطة تتجاوز حدود أدواتهم القياسية الضيقة المحدودة، وتفتح الباب (لقيامة المعارف) التي تخطف بساط الاحتكار المعرفي من تحت أقدامهم.
عندما اشتبك مفتي مصر مع سدنة الآثار
إن إسقاطات صراع (الحفريات المعرفية) ضد (الوصاية الأكاديمية) لا تتوقف عند حدود القرون الوسطى ومخطوطات المقريزي والسيوطي، بل إنها تتجلى بكامل عنفوانها في مشهدنا المعاصر جداً. ولعل النموذج الأبرز الذي هز الأوساط الفكرية والأكاديمية، هو ذلك الصدام المعرفي العنيف الذي دارت رحاه إثر الطرح التاريخي المثير للجدل الذي قدمه الدكتور علي جمعة (مفتي الديار المصرية السابق) وعضو هيئة كبار العلماء حيث صرح بجرأة فكرية لافتة، بأن هناك دراسات وروايات تاريخية معتبرة ترجح أن النبي إدريس (عليه السلام) هو الباني الحقيقي والأصل الذي بدأت عنده فكرة بناء الأهرامات، وهو أول من علم البشرية سر التحنيط، بل وذهب أبعد من ذلك مرجحاً أن تمثال أبي الهول يجسد وجه النبي إدريس نفسه، بوصفه شخصية (أوزوريس) الحكيم الذي وهب حياته لتعليم البشر خط القلم والحكمة.
لم يكد هذا الطرح يخرج إلى العلن عبر المنابر الرقمية والتلفزيونية، حتى تحرك (سدنة الآثار وحراس التخصص) بشكل كربوني مكرر ، فقاد الدكتور زاهي حواس هجوماً مضاداً عبر بيانات رسمية وتصريحات صحفية حادة ونفي قاطع، واصفاً هذه الأطروحات بأنها (لا تمت للعلم بصلة) ، ومصراً على حصرية الرواية التقليدية التي تحبس الأهرامات في زنزانة (المقبرة الملكية الصامتة). هذا المشهد يمثل تجسيداً حياً لما وصفته في مقالي السابق من هذه السلسلة (غريزة البقاء المعرفي) فالمؤسسة الأكاديمية الرسمية لا تدافع هنا عن أحجار صماء بل تدافع عن سلطتها الاحتكارية في تفسير التاريخ، وترتعب من أي دفق معرفي قادم من خارج أسوار التخصص الجافة سواء كان قادماً من مرجعية دينية كالشيخ النيّل أبو قرون أو من قراءة علمية فيزيائية كالدكتور وسيم السيسي. إن محاولات التجييش والإنكار التي تعرض لها الدكتور علي جمعة هي ذاتها البلاغات الكيدية والمحاكمات الفكرية التي تُرفع دائماً في وجه كل من يجرؤ على ممارسة (حفريات المعرفة) وهدم الفرضيات المحنطة.
الهرامسة والتقنية اللدنية .. من علم آصف بن برخيا إلى فيزياء الكم
إن السؤال الذي يهرب منه (أهل الوصاية) دائماً هو : كيف عجز العقل المادي الحديث بكل أدواته الهندسية والتقنية المعاصرة عن فك لغز كيفية بناء هرم الجيزة الأكبر أو محاكاته؟ الإجابة تكمن في أن الأهرامات لم تُبنَ بأدوات ميكانيكية خشنة، بل بُنيت بعلم نادر وصفه القران (علم من الكتاب) كما تفرد الشيخ النيّل ابوقرون بتوضيح ذلك وهو علم لَدُني يتجاوز فيزياء المادة الضيقة إلى رحابة فيزياء الوجود الكوني.
إن الشيخ النيّل في أطروحته الرصينة يضع أيدينا على مقاربة بالغة الذكاء حيث يوضح أن العلم الذي بُنيت به الأهرام وصيغت به تقنيات (الهرامسة) الأولى هو من جنس العلم الذي كان يمتلكه (آصف بن برخيا)، وهو ذلك الحكيم الذي أحضر عرش ملكة سبأ (سوبا) لنبي الله سليمان عليه السلام في أقل من لفتة عين، أو كما عبّر النص القرآني: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك).
هذا العلم الوجودي الذي كان يُنظر إليه بالأمس معجزة غيبية صامتة أو أسطورة غير قابلة للتكرار ، يثبت تيار حفريات المعرفة اليوم أنه يمثل (التقنية الفائقة) التي بدأت تلامس خطوطها العريضة علوم فيزياء الكم الحديثة (Quantum Physics) مثل مفاهيم (التشابك الكمي) والتحكم بالطاقة اللامرئية وباطن الأرض التي كشف عنها رادار (SAR) الذي استند إليه د. وسيم السيسي. إن الإنكار المتشنج من قِبل سدنة العلوم الأثرية لهذه الحقائق هو في حقيقته وقوف عند حدود المادة وعجز عن تجاوز نافذة الحس الضيقة. لقد أُغلقت هذه العلوم أمام العقل الأكاديمي لأنها تشترط أدوات كشف من نوع آخر وهي أدوات ترتكز على (الايمان مع التسليم والأخلاق) ، فالإنسان عندما يظن أن ما لا يقع تحت حواسه أو أدواته القياسية القاصرة غير موجود، يسقط في عين الوهم المعرفي، بينما العلم الحقيقي بالله وبتجليات البديع المصور يبدأ تحديداً من حيث ينتهي العقل المادي الجاف.
قيامة المعارف
تأسيساً على هذا الجرد المعرفي تتجلى أمامنا حقيقة بالغة الأهمية يغفل عنها (أهل الوصاية الأكاديمية) عندما يُنكرون إمكانية بناء الأهرام عبر تلك (التقنية اللدنية) الفائقة، فالنص القرآني المعجز يوثق أن آصف بن برخيا الذي طوى المسافات وحطم نواميس المادة وأحضر عرش بلقيس في أقل من ارتداد الطرف، إنما فعل ذلك لأنه كان يوصف بأنه: (الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ). فإذا كان هذا الإعجاز التكنولوجي الوجودي قد صُنِع ببعض العلم (جزءٍ من علم الكتاب) طُوِّع لبشر، فما بال الناس بالأنبياء والهرامسة الأوائل كالنبي إدريس عليه السلام الذي أوتي مآلات الوحي وسُبُل الهدى وتنزّلت عليه العلوم الإلهية الشاملة؟!
والاهم ما بالنا بمَن عنده (عِلْمُ الكِتَابِ) كُله… ﴿… قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.؟!
إن هذا التساؤل العميق يُسقط بالضربة القاضية الفلسفية كل فرضيات العقل المادي الجاف الذي يريد حبس معجزات الهندسة والحضارة القديمة في حدود المطارق والأزاميل الخشبية والحبال البدائية.يجب ان يعلم الناس بيقين تام إننا نعيش اليوم زمان (قيامة المعارف) ولحظة بروز الحقائق الكبرى بعد تغييب وطمس استمر لقرون طويلة، وإن جدران الوصاية الأكاديمية والدينية القديمة تتداعى بعنف تحت ضربات تدفق البحوث الموثقة والحرة التي تسندها الثورة الرقمية ، فلم يعد ممكناً لحراس التخصص أن يفرضوا صمتاً اختيارياً على تيار (حفريات المعرفة) الذي يطرق الأبواب بقوة.
ستظل خلاصات هذا التيار دائماً صادمة ومخالفة للسائد والمسلّم به، لكنها صادمة لأنها تخلخل الركود المعرفي لتصنع وعياً متجدداً وتوقاً للحقيقة المجردة. إن الإنكار عجز وليس علماً والتاريخ الحقيقي الذي طالته يد التشويه بالحذف والتهويل والإضافة، الذي يصفونه بالأسطورة، بدأ يتكشف ليعلن أن العلم الحقيقي المرتكز على الايمان مع التسليم والأخلاق يبدأ مجدداً من حيث يرتطم العقل المادي بحدود عجزه وعقمه المعرفي.
كاتب و ناشر




