محمد الأمين أبو العواتك يكتب في ذكراه السابعة: إبن البادية.. ما بين صاحب الألوان والجنرال

ونحن في ذكراه السابعة، يظل أستاذي صلاح بن البادية بيننا باثاره الباقية فينا في كل مجال و تخصص وما اكثرها .. وكما تسألت في سنوات سابقة : هل يغيب مثل أستاذنا إبن البادية؟
أذكر ذلك اليوم جيداً بكل تفاصيله، 16 سبتمبر.. والبلاد قد اتشحت بالسواد؟!!
و هرعت جموعهم بمختلف انتمائاتهم و خلفياتهم وما اكثرها الي تلك القرية التي اسسها جده الشيخ ابوقرون رضي الله عنه علي نار القران و ظلت تخدم مجتمعات اهل السودان لاكثر من قرنين كاحد اهم قلاع المجتمع المدني والحياة السودانية ، اقبلت جموعهم لتعزية بعضها البعض في انتقال ذلك الذي سكن دواخلهم….
لا والله هو حضور لن يخبو ابدا في كل من تغبرت اقدامهم في محاريب ذلك الحب الكبير ، ليظل حضوره طاغياً باقياً في القلوب
و مختلف دروب الحياة ومساراتها الإنسانية، خالداً في قلوبٍ تحبه وتعرف أقداره وأدواره.. وما أكثرها..
وصلتني قبيل سنويته السابعه هذه ، رسالة الأخ الحبيب حسن فضل المولى (الجنرال) بعد غيبة وقد تباعدت بيننا السبل في بلاد المهاجر، وطفقتُ أحدث نفسي: يا الله ، هل مرت بالفعل 7 سنوات منذ أن ارتحل عنا شيخنا الصالح ! أذكر جيداً ذلك اليوم الذي مرر لي فيه “الجنرال” مقالاً ماتعاً بين يدي ذكراه الأولى.. و الرجل صاحب مفردة أنيقة وديباجة عطرة، و هو إن سرقه العمل الإداري التلفزيوني منا، إلا أن خيره عميم في ثمار حدائق قناة النيل الأزرق وارفة الظلال، وهي من طيب غرس الجنرال وروحه السمحة، حتى جعلها الشاشة الأولى والبيت الدافئ لكل الأسر السودانية.
حكي الجنرال عن تجارب التوثيق العظيمة خاصة تلك الاخيرة ، و تجدني من الشاهدين على هذه الادوار الحفية بابن البادية، وقد حدثني بذلك وقتها راحلنا المقيم، فلقد ظل كريماً في المشورة مع أهل وصاله ومحبته، و كان سعيدا أن يقدم ذلك التوثيق لاعماله التي لم تنل حظها جيداً في التوثيق المتأخر باحدث لمسات و سحر قناة النيل الازرق . وحسناً فعل الجنرال بأن أتاح المجال بكامل الحرية والأريحية في الإخراج، مثمناً فيها جهود الحبيب إبراهيم أبو عزبه ، وذلك ديدن إبراهيم وعلامته المميزة على الدوام.
في هذه الذكري ونحن بين يدي رباطات أهل المودة والحب الممتد.. أذكر في هذا السياق ، ذلك اليوم الذي أطلقنا فيه منظمة البوارق في زمانٍ صعب، والبلاد يحيط بها ذلك المد الظلامي التكفيري. وتلك معارك خضناها وحيدين كفصيلٍ متقدمٍ اصالة ومبدأ وايمانا بمنهج الحب النبوي زودا وانحيازا ، في وقتٍ صمت فيه الكل علي تلك الهجمة بالغة الشراسة على المنهج العرفاني الرحيم الذي نشأ عليه أهل بلادي وعلى رموزه.
و هل تنسي تلك المجاهدة الكبيرة من ذات البيت والمشكاة لمولانا الشيخ النيّل أبوقرون، رافعاً رايات منهج المرجعية والعصمة النبوية تبيانا لتنزيه الذات المحمدية الشريفة من كل اذي و تنقيص جهلا كان ام قصدا ، و كان ساترها المنيع شيخنا صالح مقاومةً وثباتاً، وهي من أدواره الكبيرة والجسورة التي سيسجلها له التاريخ بمداد من نور.
كنتُ أرتب وقتها كشوف المدعوين لتلك الأمسية في صالة الزبير محمد صالح التي حشدنا لها تنوعا فريداً من الضيوف وأهل الإعلام، وكان من ضمنهم الأخ الإعلامي الكبير حسين خوجلي، وسألني يومها عن برنامج الحفل الذي كان يجمع بجانب الكلمات مدائح نبوية لشيخنا صالح وفرقة الأصائل. ولا أزال أذكر وصيته بطريقة “الحسين” اللطيفة المعهودة: (بالله يا أبو العواتك، طلب خاص.. لازم يمدح لينا رائعة والده الشيخ عبد القادر أبوقرون “ناح القمري”). وبالفعل، خرجت تلك الليلة كالشامة في جبين ليالي بلادي التي كانت تئن يومها تحت وطأة الغلو والتطرف، في زمنٍ لم يكن يجرؤ فيه إنسان على مجرد الانتقاد، ناهيك عن المواجهة والمقاومة وذلك تاريخ نادر موثق .
و”الحسين” من المحبين المتبتلين و عليم بتفاصيل كثيرة في هذه السيرة و المسيره وقد استضاف استاذنا كثيرا وهو محبا لعيون ابكار الابداع السوداني وله شجن دائم مع مدحة ابونا الخليفة الجيلي رضي الله عنه ( ناح القمري) التي قدمها كذلك في احدي سهرات برنامجه التوثيقي ( تواشيح النهر الخالد) وهي مرفقة صوتا مع هذه المادة ، ولا تنسي أدواره المشهودة خاصة عندما يصمت الجميع توجسا وخيفة وهو ما يميز الحسين، ويكفيه أنه كان القلم الوحيد الذي انبري تبيينا لفبركة مؤامرة الإرهاب التكفيري الشهيرة ضد الشيخ النيّل أبوقرون، في مقاله الموسوم صبيحة اليوم التالي مباشرة للحدث في افتتاحية صحيفة ألوان. ولعل الناس بعد كل هذه السنوات يفهمون الآن روابط بين هذا الموقف المشرّف والكثير مما كان يجري، فبجانب النصر القانوني اللاحق الكبير للشيخ النيّل ابوقرون بعد معارك قانونية طويلة، فان الزمن نفسه الان بعد كل هذه السنوات كافيا لكل ذي لب وقلب سليم وباحث عن الحق ، و علي العكس تماما فلقد ارست هذه المجاهدات اساسا صلبا لموجات الاستناره اللاحقة جميعها مما يجعلها ريادة تعرف تفاصيلها الان كل الدنيا وتقبل علي مراجعها
و مرجعيتها. وهي ادوار هذا البيت الكبير علي مر الزمن اعتصاما بالمرجعية النبوية فعندما نستمتع لمدحة الوالد الشيخ عبد القادر ابوقرون (طيبة ريحك جاني) فستجد في احد بيوتها :
(قولي فيه ملاني …الما كشر زعلاني)
وهي ذات المدرسة بكل اجيالها التي لاتقبل الطعن او التنقيص في المقام المحمدي العظيم أو كل ما يناقض الخلق المحمدي العظيم وهي ذات معاني نظم مولانا النيّل ابوقرون :
(يثني علي الصبيح مو عبوس
لابس التقوي سيدي لبوس)
وهذه المرجعية المحمدية الاصيلة المعتصمة بالاخلاق النبوية العظيمة كانت هي اساس تلك المجاهدة التي كان أستاذنا ابن البادية رأس الرمح فيها ، بفضل تشكّل شخصيته الغنية بكل فنون الإدارة والمعرفة والإبداع والفراسة.
الآن، وبعد كل هذه السنوات، قد يعيد البعض اكتشاف عبقريته الموسيقية اللحنية، أو تلك السماوات العالية في الأداء والتطريب ، بجانب كل ذلك، تظل عندي أدواره الإدارية والقيادية والتي عايشتها في عديد المجاهدات، و تلك التي جمعتنا كلجنة تكريمه أو مشروع مؤسسة بن البادية الثقافية ، الذي قطع تحت ادارته شوطا بعيدا ، والذي هو اليوم دين وواجب الدولة المؤجل في ضرورة واهمية إكماله وافتتاحه تكريما مستحق ، وهي ادوار ترتبط بمقدرات شخصية فذة في التخطيط
و التنظيم و دقة المواعيد، والالتزام القاطع بالصدق والحقيقة مهما كلف الأمر، وعدم المجاملة في برنامجه اليومي او حتي روتينه الغذائي البسيط .. والكثير مما ينبغي للأجيال أن تتعلمه من تلك المدرسة الإنسانية الكبرى.
سحائب الرحمة والمغفرة على شيخنا صالح ، وحفظ الله الأحباب الحسين خوجلي، والحسن فضل المولى .. وأدام الله بيننا الوفاء والمحبة وفي هذه الذكري نردد مع ابونا الخليفة وشيخ صالح:
ناح القمري مع الحمام
ذكرني طه الامام
فريد عصرو الما مثله شئ
بسم الله بادي النظام
بمن خلق الروح في العظام
نرجوه يتم النظام
نسير سير الناس العظام
فريد عصرو الما مثله شئ
بثني بي طه الامام
ختام الرسل علي التمام
الفايق لي بدر التمام
اللانت لي اقدامه الصمام
فريد عصرو الما مثله شئ
ميلاده ضوي الظلام
زال المسخ زال الملام
جبريل اتاه بالكلام
من ربه يقريه السلام
فريد عصرو الما مثله شئ
سلام علي سيدي الخليفة الجيلي و شيخنا صالح في العالمين




