أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ.. مع بروف جمعان

محمد الأمين أبوالعواتك:
في حديثٍ للتشكيلي الراحل حسين جمعان مع تلميذه مصعب الصاوي، قال له:
“منذ طفولتي وأنا أسمع من والدي، ونحن في تلك السواقي الكسلاوية، عن ‘كرامات الصالحين’ لذلك رسمتُ لوحة (شجرة الإكسير) مستوحاةً من تلك الحكايات. وكان صبيان تلك الأنحاء في ذلك الزمان الباكر مهووسين بصيد الطيور، أما أنا فلقد كنت أكره ذلك ولا أفعله، بل كنت أحب أن أرسمها.. لذلك عندما أُمسك ورقةً تجدني.. لا إراديًا أرسم طائراً.. حتى عالمي الفني أسميته: (أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ)”.
قلتُ للصاوي بعد أن زرناه سوياً في محرابه بداره في المعمورة ذات مساء جميل قبل سنوات —وقد أهداني يومها إحدى لوحاته الفخيمة التي تصدّرت مكانها في جدار الفنون بمكتبي، بجانب لوحات عدة منها لوحة للبروفيسور أحمد عبد العال:
“يا سلام.. هذا إنسان مكتمل في كُلِّيته في الوجود.. وقليلٌ من يعلم كُلِّيّة الإنسان، ناهيك عن أن يسعى بها في دنيا الناس!”، وهل نُعاقب اليوم بكل هذا المقدار إلا لأجل ذلك؟
قال لي الصاوي يومها: عندما قدّم البروفيسور أحمد عبد العال البروفيسور جمعان لدفعتنا الجديدة بكلية الموسيقى والدراما في أولى المحاضرات، تحدّث إلينا قائلاً:
“هذا حسين جمعان.. مقامٌ ومَرْقًى في الفنون تتقاصر عنه الأعناق؛ يكفي أنه رسم وصمّم كل دواوين د. محمد عبد الحي، وهو من كبار الأساتذة الذين تفخر بهم كلية الفنون. وما أنجزه في الماجستير ببريطانيا في الرسومات الإيضاحية للنصوص الأدبية يُعد مرجعاً حتى الآن، وهو الماجستير الوحيد لطالب أفريقي تقوم الجامعة بطباعته على نفقتها”.

كان أول لقاء لي مع الراحل الكبير (بروف جمعان) عندما شرّفني بزيارته في مكتبي. وأذكر أن الوقت كان عصراً بعد انتهاء دوام العمل وانصراف الزملاء، فكان لابد أن أقوم بواجب الضيافة بنفسي، وسعدتُ كثيراً بتحضير القهوة له.
تفقد البروفيسور كل اللوحات المعلّقة على حائط مكتبي، وكانت التفاتته الذكية للوحة من خلفي لاحد شخصيات العهد المسيحي حيث تجلّت كالعادة دقته في تبيان تفاصيلها وقراءتها. كما غمرته الفرحة وهو يتأمل قطعة الراحل الكبير عثمان وقيع الله ومخطوطة سورة (يس) كان قد اهداني اياها أخي المحبوب عبد السلام .
لقد كانت جلسةً جميلة استبنتُ فيها جمال روح الراحل، طيبته، إنسانيته، ودواخله الأصيلة، وتواضعه الجمّ وهو من هو في مجاله؛ كأحد أفضل أساتذة فن التصميم في أفريقيا، وبتقدير عالمي رفيع إذ تم تكريمه في أكثر من منصة ومحفل دولي.
وكانت زيارتي له مع الصاوي رداً لزيارته تلك؛ لأن “العِلم يُؤتَى إليه”. وهناك، أخذني في سياحة ممتعة داخل عالمه الملون المدهش، بكل ما يملك من شغف وطيبة وتواضع. وهكذا هم أهل العلم الحقيقيون؛ لا يزيدهم التبحر فيه إلا تواضعاً وتواصلاً جميلاً مع الناس والأشياء، وبكل تلك الشفافية البريئة.

لقد نزفنا رصيداً خيِّراً كبيراً من عظماء بلادي من أهل العلم والفنون؛ فلقد فقدنا البروفيسور جمعان والكثير من الأنفس الجميلة في السنوات الأخيرة —رحمهم الله— ناهيك عن سنوات الغيبوبة والجنون التي نعيشها،
و الحمد لله ورسوله فلقد نجت هذه الاعمال من اثر القدم الهمجية و الحريق والسرقات بينما نهب ما عداها وكما تكتب الصديقة الفنانه الاردنية كارولين ماضي دائما: ( تعال حيث الغناء ..فإن الاشرار لا يغنون).
رحم الله البروفيسور جمعان الذي كان فناناً مكتمل الديباجة؛ شاعراً، وتشكيلياً، ومصمماً، وأكاديمياً، وأستاذاً للفنون. هو والفنان البروفيسور أحمد عبد العال من عطايا كسلا الوريفة التي لا تزال تجود على الوطن الكبير بكل ما هو جميل، تماماً كما غنّى الكابلي لشعر توفيق صالح جبريل:
كـسـلا أشـرقـتْ بـهـا شـمـسُ وجْـدِي
فـهـيَ فـي الـحـقِّ جَـنَّـةُ الإشْــرَاقِ
رحمهما الله رحمةً واسعة، وجعل علمهما وفنهما أثراً خالداً.
كاتب و ناشر




