مقالات

النخب المستعمرة.. كيف شكل الاستعمار قادة المستقبل؟ 

سامر بدرالدين:

لم تكن صدفة أن يكون أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال هو جوهرلال نهرو خريج كلية فيكتوريا التي تأسست أول الامر في الاسكندرية في العام 1872 ثم انتقلت الى الهند والتي عرف عنها اهتمامها بأبناء النخبة الهندية وتشكيلهم لاحقاً على النموذج البريطاني الذي يعنى باللغة الانجليزية خاصة والثقافة والعلوم الاوربية على وجه العموم.
نهرو الذي قاد فيما بعد الدور الرئيسي في تشكيل السياسة والاقتصاد الهندي والذي كان احد مؤسسي حركة عدم الانحياز التي كان لها الدور الأكبر في إبقاء الدول النامية تحت الإرادة البريطانية اثناء فترة الحرب الباردة.
ولم تكن صدفة ايضاً ان يتولى تونكو عبد الرحمن ذات المنصب بعده بعشر سنين وهو خريج جامعة مالايا والتي تأسست بقرار من الإدارة الاستعمارية البريطانية في العام 1947 والمثير للسخرية المريرة هي تلك الجملة المدبجة بكل فخر في سيرته الذاتية ” قاد الحزب في كفاح دستوريّ مرير للحصول على الاستقلال عن بريطانيا ” والتي تذكرنا ذات الكفاح المرير الذي قادته النخب في مصر والسودان، في الوقت الذي يدرك كل من يتعاطى التاريخ السياسي المعاصر ان قرار انهاء الاستعمار بشكله القديم كان قراراً بريطانياً بامتياز بل وتم وفق محاصصات وتسويات لا يمكن التعامي او التغافل عنها تاريخيا.
واما افريقيا فإنها تحظى بعدد لا بأس به من اللاصدف المشابهة، مثل جامعة ماكيريري في يوغندا والتي تأسست أيضا (للصدفة) باقتراح من الحاكم البريطاني وافقت عليه حكومته في العام 1922 والتي خرجت العديد من القادة الافارقة مثل جوليوس نيريري، كوامي نكروما ويوري موسفيني وغيرهم الكثير.
هذا النمط المتكرر من تشابه الاحداث المتعلقة بانتقال السلطة ما بعد الاستعمار، يحيلنا لتعريف جديد ل(الصدفة) ويتركنا إزاء تصور يمكن أن يشرح لنا كيف خطط الاستعمار للانسحاب بعد الحرب العالمية الثانية وافسح المجال لشكله الجديد المتمثل في الدولة الوطنية بعد أن أحسن اعداد نخبة شُبعت نماذجياً بالمشروع الاستعماري بكل مكوناته الثقافية والأكاديمية وأصبح يتكلم كالمستعمر ويفكر كالمستعمر ويحلم كالمستعمر ويطرح حلولاً كالمستعمر والأخطر من ذلك…يحكم كالمستعمر.
ويمكن أن نلاحظ بوضوح كيف استمرت كل حكومات النخب ما بعد الاستعمار في الطريقة التي ادارت بها بريطانيا السودان كمركز انتاج للمشاريع الزراعية التي ركز عليها، موصول ببعض المدن التي تعمل كدعامات لوجستية للصادرات واعتبار باقي اجزاءه كتركة ثقيلة لا فائدة ترجى منها وبالتالي رزحت لعهود مديدة تحت وطأة مثلث الجهل والمرض والفقر، علماً بأن كثير من الدراسات الاكاديمية التي تشكك بأن السودان بلد رعوي بالأساس وان الزراعة ليست ثروته الحقيقية لكن تلك الدراسات أُهملت إما عن عمد لأنها ما وجدت أذن تسمع وإما عن عمد أيضاً لأن تبنى مثل هذا المفهوم من الممكن ان يعيد صياغة الاقتصاد الوطني على نحو يمكن أن يهدد أساس دولة الاستعمار الجديدة.
وعلى هذا الأساس أيضاً يمكن فهم المشكلة السياسة التي تمثل جزء من ازمتنا في هذه الفترة، فهذه النخب التي تدعي تعبيراً عن أجزاء مترامية من البلاد وتدعي تهميشاً ل(شعوب) -كما يحلو لها ان تقول- تلك الأجزاء، تلك النخب لا تملك أي شرعية مفهومة تسوغ لها حق تمثيل أبناء تلك المناطق ولم نشهد لها أي اهتمام يذكر بمشاكل تلك الأجزاء، لم تبن مركزاً صحياً يسعف الأمهات الحوامل ولا اقامت مدرسة تدرأ الجهل ولا انفقت دولاراً واحداً من تلك الملايين التي انفقتها تسليحاً وسيارات وعقارات على أي مشروع بجدوى اقتصادية يعود بالنفع على تلك الأهالي.
أما عن نخب الوسط فحدث ولا حرج، لا مشروع يلبي طموحات الناس ولا رؤية تعبر عن همومهم، كل ما هنالك يمكن تلخيصه بأنه هتاف مطلبي واصطفاف نخبوي إيديولوجي لا يوجد له صدى بين أطياف الناس ولا يطرح حلاً لمشاكلهم اليومية حتى ناهيك ان يقدم خطة بعيدة المدى يمكن أن تبشر برفاهية اقتصادية أو واقع يضمن العي بسلام، ويمكن الركون لهذا الحكم إذا تتبعنا للفترة التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ والتي حكمت فيها ما يسمى بالتكنوقراط وكيف سعوا لإرساء احكام ما راعت حتى أولئك الذين جاؤوا بهم للسلطة.
ولا يمكن أن اختم هذا المقال دون أن أشير للعقل الذي يحكم مؤسسات الدولة التي يفترض انها وجدت لتخدم الشعب، كيف تتقدم حلولاً ما انزل الله بها من سلطان ثم تطلب الينا أن نرضى بها، ان منصات التواصل الاجتماعي مليئة بالمناشدات المتظلمة نتيجة قرارات فاتها ان تدرس مالات نتائجها قبل ان تصدر، وبالكثير من المقاطع المصورة التي تبرز كيف يتعالى منسوبو بعض القطاعات الخدمية على مواطنين كل ذنبهم انهم يعانون سوء الخدمة، لا يمكن وصف السلوك ولا يمكن تفسيره دون استحضار العلاقة بين المستعمر الذي يرى في المُستعمر عبئاً يديره لا شعباً يخدمه
يقال ان فهم السؤال يمثل نصف الإجابة، هذا صحيح، لذا وجب علينا ان نفهم مشكلتنا أولا قبل ان نقدم حلولاً لا طائل منها. هذه النخب باعتبار منشأها الذي شكل مخيالها الثقافي وأسس لها نماذجها الفكرية ليست جزءاً من هذا الشعب وسوف تظل تمارس دورها الوظيفي مختبئة تحت عباءة الدولة في سحق الشعب وسيطرتها على الموارد دون رادع طالما داومنا على الغفلة والانسياق وراء ظاهر الازمة وسلمنا لها امرنا طواعية وتناسينا ان الحل، كل الحل، في قوة المجتمع لذا ، يجب علينا أن نعمل على بناء وعي مجتمعي قوي قادر على مواجهة التحديات وتحديد مصيرنا بعيدًا عن تأثير النخب الوظيفية ودولتها المستعمرة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى