من التحذيرات إلى المجزرة.. كيف وثّقت ييل كارثة الفاشر؟

تقرير ـ رانيا عمر:
بعد عام على سقوط مدينة الفاشر في قبضة مليشيا الدعم السريع، لا تزال آثار الحصار والهجوم والانتهاكات التي صاحبت السيطرة على المدينة تكشف حجم الكارثة التي تعرض لها سكانها. وفي تقرير جديد أصدره مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل في 28 أكتوبر 2026، تحت عنوان «الفاشر بعد عام»، عادت صور الأقمار الصناعية لتوثق ما خلّفه سقوط المدينة من انهيار واسع في مظاهر الحياة المدنية، وتراجع النشاط في الأسواق والمرافق الحيوية، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر المآسي دموية في الحرب السودانية، ويضع المجتمع الدولي، ومجلس الأمن على وجه الخصوص، أمام مسؤولية التعامل مع أدلة لم تعد تحتمل التجاهل.
وتكشف نتائج التقرير أن ما أصاب الفاشر لم يكن مجرد دمار خلفته المواجهات العسكرية؛ فقد رصد المختبر غياب مؤشرات واضحة للنشاط البشري وحركة المركبات في المستشفيات التسعة عشر التي شملها التحليل، كما لم تظهر مؤشرات نشاط في الأسواق الرئيسية التسعة إلا في السوق المركزي بحي الدرجة الأولى. ورصد أيضاً تغيرات في خمسة مستشفيات تتوافق مع أنماط حرق مواد، وتغيرات أرضية في ثلاثة مستشفيات، إلى جانب تمدد الغطاء النباتي في مناطق كانت تشهد حركة بشرية ونشاطاً عمرانياً. ولا تقدم هذه المؤشرات حصراً نهائياً للضحايا أو دليلاً على خلو المدينة تماماً من السكان، لكنها ترسم صورة موثقة للتراجع الحاد الذي أصاب الحياة داخل الفاشر بعد سيطرة المليشيا عليها.
غير أن القيمة الأشد خطورة في تقرير ييل لا تكمن في رصد آثار عام كامل فحسب، بل في أنه يأتي امتداداً لتحذيرات أطلقتها الجامعة قبل سقوط المدينة. ففي يوليو 2023، نبّه مختبر البحوث الإنسانية الحكومة الأميركية والرأي العام ومجلس الأمن إلى خطر وقوع مجزرة ذات طابع إبادي إذا سقطت الفاشر في يد مليشيا الدعم السريع. وخلال الحصار والهجوم، أصدر المختبر أكثر من 65 تقريراً تناولت تطورات المدينة ومخاطر استهداف سكانها، ووثقت أنماطاً من القتل والانتهاكات بحق الفور والزغاوة ومجموعات أخرى من السكان غير العرب. وبذلك، فإن سقوط الفاشر وما أعقبه لم يكونا حدثاً مفاجئاً بلا إنذار؛ فقد سبقت الكارثة تحذيرات موثقة وصلت إلى الجهات الدولية المعنية، وهو ما يجعل السؤال عن فشل الاستجابة الدولية جزءاً أساسياً من القضية، لا مجرد تفصيل في سجل الأحداث.
وقد عززت التحقيقات الأممية اللاحقة ما كشفته تحليلات ييل، وأظهرت أن الهجوم على الفاشر صاحبته انتهاكات واسعة النطاق. ففي تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 13 فبراير 2026، وثّق مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم الذي انتهى بسيطرة مليشيا الدعم السريع على المدينة؛ بينهم ما لا يقل عن 4,400 شخص داخل الفاشر، وأكثر من 1,600 شخص على طرق الفرار. كما وثّق التقرير عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنفاً جنسياً واختطافاً وتعذيباً واعتقالات واختفاءً قسرياً ونهباً، وخلص إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن المليشيا والقوات المتحالفة معها ارتكبت جرائم حرب، وأن نمط الانتهاكات يشير إلى هجوم واسع ومنظم ضد السكان المدنيين في دارفور.
وفي 19 فبراير 2026، جاءت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان بنتيجة أكثر خطورة في تقريرها المعنون «ملامح الإبادة الجماعية في الفاشر». فقد خلصت إلى أن عمليات القتل الجماعي والانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع خلال سيطرتها على المدينة تحمل مؤشرات مسار إبادي، وأن الوقائع المتراكمة تكشف عن قصد تدمير مجتمعي الفور والزغاوة كلياً أو جزئياً. واستندت البعثة إلى نمط متصاعد من الاستهداف على أساس الهوية، شمل القتل الجماعي والاغتصاب والعنف الجنسي والتعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري، فضلاً عن ظروف الحصار التي فُرضت على السكان. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عن الأدلة الميدانية؛ إذ اعتمد التقرير الأممي بصورة مهمة على تحليل صور الأقمار الصناعية والمعلومات مفتوحة المصدر التي جمعها مختبر ييل، بما في ذلك رصد نحو 150 مجموعة من الأجسام التي تتوافق خصائصها البصرية مع بقايا بشرية، ظهرت في بعض المواقع بينها مؤشرات حرق ودفن.
وتضع هذه الوقائع مسؤولية المليشيا في موضع لا لبس فيه. فالانتهاكات التي وثقتها التقارير وقعت في مناطق كانت خاضعة لسيطرة مليشيا الدعم السريع، وهي تتحمل المسؤولية المباشرة عن أفعال قواتها والعناصر المتحالفة معها، وعن واجب حماية المدنيين الواقعين تحت سيطرتها. ولا يمكن فصل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والنهب والاعتقال والإخفاء القسري عن واقع السيطرة العسكرية التي فرضتها المليشيا على المدينة، أو تبريرها بظروف الحرب. كما لا تقف المسؤولية عند العناصر التي نفذت الجرائم؛ بل تمتد، وفق قواعد المسؤولية الجنائية، إلى كل من أمر بها أو ساهم فيها أو سهّل ارتكابها، وإلى القادة الذين تثبت مسؤوليتهم عنها. ولذلك، فإن كل جريمة ارتكبتها قوات المليشيا بحق المدنيين تستوجب تحقيقاً مستقلاً ومحاسبة لا تستثني القيادة أو الجهات التي وفرت الدعم والقدرة على استمرار الانتهاكات.
ومن هذه المسؤولية المباشرة يتقدم ملف تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية بوصفه مطلباً سودانياً يستند إلى سجل موثق من الجرائم والانتهاكات، لا مجرد توصيف سياسي في سياق الحرب. فالتقارير الأممية وما كشفته التحقيقات بشأن الاستهداف الإثني والقتل الجماعي والعنف الجنسي والتعذيب تفرض على الدول مراجعة تعاملها مع المليشيا، والنظر في التدابير القانونية والسياسية اللازمة لمنعها من مواصلة نشاطها والحصول على الدعم. ولا يعني ذلك أن تصنيفها إرهابية قد صدر بالفعل عن الأمم المتحدة؛ بل إن المطلوب هو تحرك الدول والجهات المختصة للنظر في هذا المطلب وفق قوانينها وإجراءاتها، بالتوازي مع مسارات المحاسبة عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
ومن مساءلة مرتكبي الانتهاكات إلى مسؤولية حماية المدنيين، يبرز ملف حظر الأسلحة بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بما جرى في الفاشر، وبقدرة الدولة السودانية على منع تكرار الكارثة. فالمسألة لا تتعلق فقط بفرض قيود على تدفق السلاح إلى دارفور، وإنما أيضاً بضمان ألا تتحول هذه القيود إلى عائق أمام القوات المسلحة في أداء واجبها الدستوري والوطني في الدفاع عن البلاد وحماية مواطنيها، وإنقاذ المدنيين المحاصرين والواقعين تحت سيطرة المليشيا.
فالقرار 1591 الصادر عام 2005 وضع تدابير تتعلق بمنع توريد الأسلحة والمواد العسكرية والتدريب والمساعدة الفنية إلى الأطراف والجهات المقاتلة في دارفور، إلى جانب حظر السفر وتجميد الأصول بحق الأفراد والكيانات المدرجة على قوائم العقوبات. ويشمل نطاق حظر الأسلحة الأطراف المقاتلة في الإقليم، بما فيها القوات الحكومية، كما يشترط موافقة مسبقة من لجنة العقوبات على إدخال المعدات والإمدادات العسكرية الحكومية إلى دارفور. ومن ثم، فإن الإبقاء على الحظر في نطاق الإقليم قد يفرض قيوداً فعلية على حركة الإمدادات العسكرية للقوات المسلحة، بينما يؤدي توسيعه ليشمل السودان كله إلى نقل هذه القيود إلى بقية أنحاء البلاد، بما قد يحد من قدرة الدولة على تأمين احتياجاتها الدفاعية والعسكرية.

وتزداد حساسية هذه المسألة عند استحضار ما جرى في الفاشر؛ فالمدينة كانت تحت سيطرة مليشيا الدعم السريع عندما وقعت الانتهاكات التي وثقتها التقارير الدولية، وكانت المليشيا هي القوة المسيطرة والمسؤولة عن حماية المدنيين في المناطق الخاضعة لها. وفي المقابل، تقع على الدولة السودانية، عبر قواتها المسلحة ومؤسساتها المختصة، مسؤولية حماية مواطنيها، ويظل إنقاذ من يمكن إنقاذهم من المدنيين المحاصرين واجباً لا ينبغي أن تعرقله تدابير دولية تحد من قدرة القوات المسلحة على أداء مهامها. ولا يجوز أن يؤدي تطبيق نظام العقوبات إلى مساواة الدولة ومؤسستها العسكرية الرسمية بمليشيا تسيطر على المدن وتُتهم قواتها بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين. فالمساواة في نطاق بعض التدابير لا تعني تماثل المسؤوليات أو الأوضاع القانونية، ولا ينبغي أن تحجب التمييز بين واجب الدولة في حماية السكان ومسؤولية القوة المسيطرة عن الانتهاكات التي تقع في مناطق نفوذها.
وفي 8 أكتوبر 2026، جدد مجلس الأمن نظام العقوبات بموجب القرار 2830 حتى 11 ديسمبر 2026، ومدد ولاية فريق الخبراء حتى 11 يناير 2027، في تمديد قصير جاء بعد خلافات بشأن مستقبل النظام وإمكانية توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل السودان كله. وقد أعاد هذا النقاش طرح القضية الأساسية: هل يكتفي المجلس بالإبقاء على تدابير قائمة تفرض قيوداً على الأطراف المقاتلة في دارفور، بما فيها الإمدادات العسكرية الحكومية، أم يتجه إلى توسيعها لتشمل كامل السودان، بما يضاعف القيود على قدرة الدولة في الدفاع عن أراضيها وحماية مواطنيها؟ إن المطلوب هو تشديد الرقابة على مصادر السلاح وشبكات الإمداد التي تمكّن مليشيا الدعم السريع من مواصلة عملياتها، ومحاسبة الجهات التي يثبت تورطها في دعمها أو خرق حظر الأسلحة، دون فرض قيود تعرقل حق السودان في الدفاع عن سيادته، أو تساوي بين القوات المسلحة والمليشيا. ففاعلية العقوبات ينبغي أن تُقاس بقدرتها على منع وصول السلاح إلى المليشيات والمرتزقة المتورطة في الانتهاكات، لا بمدى تقييد قدرة الدولة على حماية مواطنيها.
ولا ينفصل ذلك عن ضرورة مساءلة مجلس الأمن نفسه عن التحذيرات التي سبق أن تلقاها بشأن الفاشر. فالمختبر الذي حذّر من خطر المجزرة منذ عام 2023 واصل نشر تقاريره خلال الحصار، ثم جاءت الأدلة الأممية لتوثق وقوع الجرائم التي حذّر منها. وبين الإنذار المبكر وسقوط المدينة مساحة من المسؤولية الدولية تستوجب المراجعة: ما الإجراءات التي اتخذها المجلس لردع المليشيا؟ ولماذا لم تُفعّل أدوات العقوبات بالقدر الذي يمنع استمرار التسليح والانتهاكات؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية تعطيل الإجراءات أو عدم تنفيذها؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من سيادة السودان، بل تتعلق بمساءلة المؤسسات الدولية عن التزاماتها، وبحق السودانيين في ألا تتحول التحذيرات الموثقة إلى تقارير جديدة عن مجازر كان يمكن بذل جهد أكبر لمنعها.
وبعد عام على سقوط الفاشر، لم تعد القضية نقصاً في الأدلة، بل غياباً لإجراءات توازي خطورة ما وثقته التقارير. فمليشيا الدعم السريع تتحمل المسؤولية المباشرة عن جرائم قواتها في المناطق التي تسيطر عليها، والجهات التي تمدها بالسلاح أو تسهم في استمرار عملياتها مطالبة بالمحاسبة، فيما يقع على مجلس الأمن واجب الانتقال من تجديد العقوبات إلى تنفيذها بصرامة وملاحقة خروقاتها، دون أن تتحول تدابير الحظر إلى قيود تعطل قدرة الدولة السودانية على حماية مواطنيها والدفاع عن أراضيها. إن دماء المدنيين في الفاشر لا يجوز أن تبقى أرقاماً في تقارير دولية، ولا أن تتحول التحذيرات السابقة إلى سجل جديد لعجز المجتمع الدولي؛ فالمطلوب وقف تسليح المليشيا، ومحاسبة مرتكبي الجرائم وداعميهم، وصون سيادة السودان وحماية مواطنيه من تكرار المأساة.



