حروب النفوس.. معركة السودان الحقيقية

إيهاب وهبة مكي:
الحرب التي تدور رحاها اليوم في السودان، ليست مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة ومليشيا الدعم السريع، فثمة حرب أخرى لا تقل ضراوة، بل ربما كانت أشد فتكاً وخطورة، تدور داخل نفوسنا نحن السودانيين.. حرب تتجاوز أزيز الرصاص ودوي المدافع، لتضرب قيمنا وأخلاقنا ونسيجنا الاجتماعي، وتهدد ما تبقى من روابط تجمع أبناء الوطن الواحد.
إن الحرب الأكثر إيلاما، وفتكا هي تلك التي تدور بين المواطن والمواطن، حين يتحول التاجر إلى خصم لمجتمعه، فيحتكر السلع الأساسية ويخزنها، ولا يعبأ بمعاناة الناس، أو حاجتهم إليها، منتظراً ارتفاع أسعارها ليطرحها بأضعاف قيمتها، حتى لو كان الثمن جوع المواطنين ومعاناتهم. إنها حرب الجشع وانعدام الضمير، حين تتقدم المصلحة الشخصية على أبسط واجبات التكافل والإنسانية.
وهي أيضاً الحرب التي يخوضها الفاسد ضد شعبه، حين يختلس المال العام، وينهب أموال الوطن، ويغتني على حساب ملايين البسطاء، ثم يتعامل مع ما استولى عليه وكأنه حق مكتسب، أو ثمرة جهد مشروع، غير عابئ بحقوق الآخرين.
الحرب، هفي حرب قبلية والانتماءات الضيقة؛ حرب قبيلتي وقبيلتك، وأهلي وأهلك، وحزبي وحزبك. حرب التصنيفات السياسية والفكرية التي لا تنتهي: هذا كوز، وذاك شيوعي، وهذا حزب أمة، وذاك جمهوري أو اتحادي، وهذا علماني، وذاك سني، أو سلفي أو صوفي. وكأن اختلاف الرؤى والمعتقدات أصبح مبرراً للعداء والإقصاء والتخوين، بدلاً من أن يكون مدخلاً للتنوع والتعايش وقبول الآخر.
سادتي، إنها حرب الجهوية والقبلية التي تختزل الإنسان في المنطقة التي ينتمي إليها، فيقال: هذا غرابي، وذاك شمالي، وهذا من دارفور، وذاك من كردفان. ثم تضيق الدائرة أكثر، فنصبح أمام تصنيفات قبلية وجهوية لا تنتهي، ليقول البعض هذا فورَاوي، وذاك مسيري، وهذا رزيقي، وذاك مسلاتي، أو زغاوي، وهذا جعلي من دار جعل، وذاك دنقلاوي، وهذا محسي، وذاك هدندوي أو نوباوي، أو جموعي، أو شايقي.
ما الذي جنيناه من كل هذه التصنيفات؟ وماذا أضافت إلى وطننا سوى مزيد من التباعد والشكوك والاحتقان؟ وكيف يمكن أن نبني دولة قوية، ونحن لا نزال نقيس قيمة الإنسان بقبيلته، أو منطقته ،أو حزبه، بدلاً من أخلاقه وكفاءته وعطائه وانتمائه للوطن؟
لن نخرج من هذه المأساة، ولن نتجاوز دوامة الحرب، ولن ينعم السودان بالأمن، والاستقرار، ما دمنا أسرى لهذه الحلقات المفرغة، وما دمنا نمارس التخوين والإقصاء، وينظر كل منا إلى نفسه باعتباره الأفضل والأحق، وإلى الآخرين باعتبارهم أقل شأناً أو انتماءً. لقد نسينا، أو تناسينا، قول الله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
يا سادتي، لن ينهض السودان ولن يتعافى من جراحه، ولن تطوى صفحة الحرب بصورة حقيقية، ما لم نبدأ أولاً بمراجعة أنفسنا، وننزع من دواخلنا بذور الكراهية والعصبية والجهوية والحزبية، ونتصالح مع بعضنا البعض. علينا أن ندرك أن اختلافنا لا ينبغي أن يكون سبباً لتمزيق وطننا، وأن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا. هويتنا التي ينبغي أن تعلو فوق كل الهويات الفرعية هي هوية واحدة: أنا سوداني، وأنت سوداني، وكلنا أبناء وطن واحد.
ولعل تجربة رواندا تقدم لنا درسا بليغا، فقد عانت واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث، إثر حرب أهلية أججتها العرقية والقبلية، وانتهت بالإبادة الجماعية عام 1994، التي راح ضحيتها أكثر من 800 ألف مواطن رواندي، من قبيلتي التوتسي، الهوتو.
ورغم كل ذلك، اختارت الروانديون، طريق السلم والتصالح وإعادة بناء دولتهم. وتخلوا عن التصنيفات العرقية والقبلية والحزبية، وعن خطاب الكراهية والتحريض ، لتعم الوطنية والعدالة وإعادة بناء الثقة بين المواطنين، بعد أن أصحب الأساس الانتماء للوطن لا القبيلة، لتنهض بعدها رواندا اقتصاديا واجتماعيا، ويعم الأمن والسلام والاستقرار ربوعها.
فلماذا لا نستفيد نحن في السودان من هذه التجربة، ونستلهم منها؟ لماذا لا نجعل من هذه الحرب القاسية نقطة تحول تاريخية نعيد من خلالها بناء علاقتنا ببعضنا البعض، ونؤسس لوطن لا يُقصى فيه أحد بسبب قبيلته أو جهته أو معتقده أو انتمائه السياسي؟
إن السودان الذي نحلم به لا يُبنى بالسلاح وحده، ولا يتحقق السلام فيه بمجرد توقف المعارك، بل يحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية، ومؤسسات تحترم القانون، ومجتمع ينبذ الفساد والجشع والعنصرية والجهوية، قائم على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات.
سيعود السودان، بإذن الله، أفضل مما كان، إذا امتلكنا الشجاعة لنزع فتيل الحرب من نفوسنا قبل أن نطالب بإسكات البنادق، وإذا توقفنا عن تصنيف بعضنا البعض، وقدمنا هويتنا الوطنية على كل انتماء آخر.
فلنتفاءل بمستقبل يليق بتاريخ ومكانة السودان وأهله، وبنهضة اقتصادية واجتماعية، عنوانها العدالة والأمن والاستقرار، فالسودان وطن يسع الجميع، وغداً أفضل، بإذن الله.. إذا انتصرنا أولاً على حروبنا ونزعناها من داخل نفوسنا.
إعلامي سودني @ehabmakk




