الموردة أمدرمان.. كانت لنا أيام في قلبي ذكراها

كتب/ عبدالعظيم سعيد:
تلك أيام جميلة خضر نواضر وزاهية .. عشناها في مدينة أمدرمان حي الموردة العريق .. وكنا مجموعة أبناء خالات نسكن مع خالتنا المرحومة (حكم السيد) والدة المرحوم الدكتور سعد احمد سعد وإخوانه وأخواته في بيت كبير بحي الضباط الموردة كنا وقتها في معية الصبا وزهو الشباب وكنت أعمل في المجلس البلدي بأمدرمان كاتبا في مكتب فيصل محمد أحمد سرور وكان فيصل مديرا لشؤون العاملين بالبلدية أمدرمان .. وأذكر في مرة طلب مني أن أكتب له وأحصي جميع أسماء القوى العاملة بالمجلس البلدي .. فكتبت له جميعهم ..حتى أسماء القابلات فضحك عليه رحمة الله وقال لي ها الجعلي ها .. !! حتى الدايات كتبتهم .. وكان فيصل سرور رحمه الله .. رجلا كريما يعزم كل موظفي المكتب رجالا ونساء .. يعزمهم على الغداء في يوم الجمعة من كل أسبوع في منزلهم العامر بحي الشهداء بأمدرمان .. كان ذلك في منتصف السبعينات .. وكان يسمعنا عبر الفونغراف من أغنيات والده الفنان الحاج محمد أحمد سرور وغيره من رواد حقيبة الفن الأوائل عبر الأسطوانات المعدنية التي تعمل على الفنوغراف.
يذكر أن الحاج محمد أحمد سرور تعود جذوره إلى قرية ود المجذوب شمال مدينة ود مدني .. وتوفي وقبر في اسمرا .. بأرتريا .. وفي أمسيات أمدرمان الجملية كنا نحضر كل حفلات الحي الأعراس والمناسبات العامة .. زمن آمنه خيري لها الرحمة .. و ( قصة الريدة القديمة ) ..!! وحكمات محمد ياسين (صدقني ما بقدر أعيد) ..!! حكمات التي ودعت هذه الفانية قبل أشهر قليلة بأمدرمان .. نسال الله لهما الرحمة.
و كنا نتردد كثيرا على إتحاد فن الغناءالشعبي ودار فلاح .. ودار الرياضة أمدرمان وكورة العصر .. وقفشات إتحاد الممثلين وإتحاد الفنانين ..!! والسخرية المحببة بينهما لإسعاد الجماهير .. وسينما أمدرمان والوطنية .. والمسرح القومي .. وقهوة يوسف الفكي وشاي العصر باللبن والباسطة .. وفوال الطيبين ومطعم العين الخضراء .. وسوق المويا والمحطة الوسطي وجورج مشرقي .. كان ذلك في منتصف العام 1970 وحفلات ترباس وثنائي العاصمة حتى الساعات الأولى من الصباح ..
ونتابع كل الأحداث الرياضية والفنية والمسرحية في ذاك الزمان الأخضر النبيل الجميل .. ونشتري صحيفتي الصحافة والأيام ومجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح .. ونقرأ لإبن البان صاحب (العواتك) ونقرأ العمق العاشر لـ آمال عباس .. وزهرة الأغاني لـ موسى السراج .. وأذكر أن أبو الفنون ديمتري البازار .. يأتي لمنزلنا في حي الضباط كل صباح و يطوف كل المنازل وهو يحمل الطعمية والمخلل في أوني غاية في النظافة وبضاعة غير مزجاة..!! جيدة لها طعم ورائحة محببه يطوف بها .. من حي البوستة مرورا بالهاشماب والعرضة والعباسية والموردة وأبو كدوك وأبوعنجة .. كان هذا برنامجا يوميا وكنا نشتري منه ونتحلق حوله ونتسامر معه ونسأله عن أخبار الفن والتسجيلات الغنائية في مصر في ذاك الزمان وكيف كان ذلك .. فسألته ذات مرة .. كيف كان تسجيل وسفر الفنانة عائشة الفلاتية لمصر .. فقال لي والله ياعبدالعظيم مافي فنان اتعبني زي عائشة الفلاتية دي ..أولا أبوها وأمها كانوا رافضين الفكرة شكلا ومضمونا .. أبوها اسمه احمد موسى وكان شيخا يدرس القرآن وله خلوة في العباسية لتعليم الصبيان .. قال لي بعد جهد جهيد وتوسلات .. استعطت أن أقنعهم بسفر عائشة وكتبوا معي تعهدا قالوا فيه (( أن عائشة لو شرقتها مويه يا دمتري أنت مسؤول عنها )) وقد كان .. وسافرنا مع مجموعة من الفنانين وسجلوا أغنياتهم وسجلنا لعائشه في أستوديوهات ( أوديون ) بالقاهرة وعدنا بالسلامة .. إتنهى حديث دمتري .. وتلك كانت أيام خضر نواضر لها ذكريات عطرة .. والمعروف أن الفنانة عائشة كانت لها أخت اسمها الجداوية تقرأ لها وتلحن معها الأغنيات وساعدتها كثيرا في أعمالها الفنية .. وكنا نذهب لسوق الموردة صباحا ونشتري اللحمة من عمنا عبدالوهاب سليمان والد لاعب المريخ وأيقونه الكرة السودانية كمال عبدالوهاب .. وسمك السكي وزنكي الخضار .. وعماري السنجك .. ودكان إبن خالتي الشيخ عمر وشريكه محمد أحمد لأعمال النجادة ودكان الزبادي الشهير .. ( زبادي عمك الطاهر وإبنه الدومه) .. ونمشي جامع الأدارسة ونصلى به المغرب والعشاء ونستمع لأماديح السادة الأدارسة .. ونزور أهلنا في حوش جدنا عباس رحمة الله ( عمده أمدرمان الأشهر ) .. وحوش ناس الكنينة .. وحوش ناس عمتي ( زينب بت بخيت ) والده لاعب فريق الموردة الشهير محمود الزبير وإخوانه الأعلام ..
.. و نغشى حديقة الريفيرا .. وفندق الحديقة .. وقهوة موسى .. وكشك الليمون .. ومكتبة الجرايد .. وجلال للمواتر .. كانت لنا أيام في الموردة .. وكانت أيام سعيدة .. ربي مناي تعيدا ..
نسعد فيها تاني ونعيد فيها الأماني . تحياتي والمودة .. والموردة بتلعب .
الدامر / الجباراب ..
4 يناير 2026 م




