حسام البر يكتب: هل يمكنك مقايضة المعنى؟

يستمرُّ الكونُ في التوسّع، والانتروبيا تفتح له أبوابَ التمدّد، كأنَّ الخُطَّة الأولى تسيرُ في مسارها المرسوم دون خلل، والقوانينُ تعمل في صمتٍ لا يشكو منه أحد. لكنَّ المفارقة الكبرى أنّ هذا الاتساع الكوني لا يحدث إلّا على حساب انحسار المعنى واضمحلاله في الحياة الأرضيّة. فقد بهتت الذائقةُ الأولى للأشياء، وفقدت مفرداتُ الحياة طزاجتها، وطار المعنى، طاويًا الروحَ في أجنحته، مُحلِّقًا بعيدًا عن كلِّ ما ألفناه. ومنذ ذلك الحين، منذ أن تنزّلت الحياةُ من مصدرها الأوّل، فإنّ كلَّ مسعى تتّخذه من مساعيها دافعُه الأوّل تحقيقُ المعنى، البحثُ عنه والقبضُ عليه بيديها الاثنتين. وحينما تعجز عن الإمساك به، تستبدله بـ”الأنا” المتضخّمة، (الإيغو) الزائف، الذي يُزيّن للذات أن تجعل من الجهل فضيلة، ومن التجاوز والتغافل حكمة. وهكذا أخذت البشريّة تبحث بلا وعي عن بدائل للمعنى، في شتّى المقتنيات وعلى مختلف الأصعدة والأنشطة. وفي سبيل ذلك ارتكبت صنوفًا من الشرور والحماقات. ولذلك، فإنّ أعظم ما يُرتجى من القفزة المقبلة في الوعي البشري هو استعادةُ المعنى للمرة الأخيرة، لينساب في أعماقنا ويسري في جلودنا ويبدّلها بغيرها. فيحدث ولأوّل مرة أن يستمرّ نموُّ الكون دون أن يقترن بانحلال الحياة أو تدهورها على الأرض. وأغربُ ما في المعنى أنّ العثور عليه لا يعني أنّك وصلتَ واكتفيتَ أو سكنتَ مسكنك؛ إذ إنّه يجعلك منطقةً وسطى تجمع بين الحضور والغياب، بين الفقد والامتلاء. ومن هذا السكن تحدث – جَدَلًا – كلُّ التحوّلات.
المعنى يثأر لنفسه :
يظنُّ كثير من الناس أنّ المعنى أمرٌ يمكن تجاوزه، وبعضهم يراه شأنًا ثقافيًّا، وفي معظم الأحيان لا ينشغلون به ولا يلتفتون إليه. هذا الموقف الملتبس من المعنى سببه الجهلُ به، والجهلُ يسوق إلى الاستخفاف. وما استخفَّ الناسُ أمرًا واستصغروه إلّا ودفعوا عاقبة ذلك أثمانًا باهظة، بطرق لا تخطر على البال. المعنى عزيز، ولا يكشف سرَّه إلّا لمن يبذل جهدًا صادقًا، مُخلصًا، مُثابرًا، بفضل الله عليه، ليكتشف أعماق ذاته، حيث تنطوي حقيقةُ المعنى على نفسها وتظلُّ كنزًا خفيًّا يصلنا بكلِّ شيء. الآن -فى هذه الفترة من الزمان – ولأسباب متعددة – المعنى هو اللاعبُ الأساسي في كلِّ مجريات الأحداث، على كافة المستويات: المؤسّسية، العامّة، والشخصيّة. إذ لا ينتصر منتصرٌ إلّا بتمام المعنى، ولا ينهزم منهزمٌ إلّا بنقصان المعنى، ولا تراوح الأشياءُ مكانها وتظلُّ معلّقة، أو تأتي عواقبُ الأمور بغير ما تشتهي الأنفس، إلّا بقلّة المعنى.
سرّ المعنى :
وحسبُنا في الإشارة إلى أهميّة المعنى أن نعلم أنّ هناك كلمتين لم تردا مطلقًا في القرآن الكريم على النحو الاصطلاحي في فهم الناس، وهما: المعنى و الزمن، وذلك لعِظَم أمرهما عند الله سبحانه وتعالى. وقد أشار النصُّ القرآني إلى كلمة المعنى بمفردة الحق، كما في قوله تعالى:
“خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ”
“فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ * قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ”.
كلمة الحق إشارةٌ إلى المعنى، لكنها لا تستقصيه كلَّه. إنّ المعنى في جوهره يُشبه مجالَ الدالة الموجيّة في ميكانيكا الكم؛ حيث تمثّل الدالة احتمالاتٍ متعدّدة، وعند إجراء أيّ قياس أو رصد تنهار إلى نتيجة واحدة واقعيّة. فالأشياء قبل القياس ليست شيئًا بعينه، بل مجرّد إمكانيّات تتحقّق بأمر الله. فالحقُّ هو مناطُ الخلق، وهو في الأفق الأعلى دالةٌ في المعنى، فإذا تنزّل يمكن أن يتّصف بالنسبية وتعدّد المعاني.
ومن هذا المنطلق نفهم سؤال الله سبحانه وتعالى لنبيّه موسى عليه السلام:
“وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ”
ورغم بساطة السؤال، إلّا أنّه من أعظم أسئلة القرآن الكريم. فالله سبحانه وتعالى يعلم حقيقةَ ما بيمين موسى، لكن السؤال جاء ليعلّمنا نحن. وقد بيّن لنا الإجابة عمليًّا حينما تحوّلت العصا إلى حيّة:
“قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ”
لنفهم أنّ الأشياء ليست بالضرورة هي الأشياء، ليست ما تبدو عليه في ظاهرها، بل هي تحقّق لاحتمال واحد من إمكانيّات أودعها الله في دالة المعنى. هذه الظواهر التي تتّسم بسرعة حركة التغيّر في هيكلها الخارجي تُسمّى آيات مبصرة. وقد جاء منها لقوم فرعون تسع آيات:
“وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ”
فما حدث لم يكن سحرًا، بل هو علمٌ من دالة المعنى التي هي بدورها من عالم أمر الله:
“أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ”
المعنى إذن هو كلُّ شيء، وهو أيضًا ليس شيئًا بعينه. وبعكس ما كنّا نعتقد، فإنّ ما ينقصنا حقًّا ويقودنا في درجات الكمال ليس شيئًا آخر غير المعنى.



