ذكريات الطفولة والصبا

عبد العظيم سعيد يكتب بالمداد الأخضر: حينما كان الزمان أخضرا والأماني عراض .. ويقول للزمان هل من عودة هل ..؟
كان عمري وقتها عشرة أعوام كان ذلك في العام 1970م ونحن في الديوان .. الديوان الديما مقشوش .. ديوان عمي عوض الكريم خالد .. في حلتنا (السعيداب) الجباراب الدامر ولاية نهر النيل .. كان ذلك عقب صلاة العشاء .. والعشاء .. فسمعت حديثا يدور بين والدي سعيد خالد وعمي عوض الكريم خالد وأخي الأكبر علي سعيد عليهم من الله سحائب الرحمة والمغفرة والرضوان .. فكان فحوى الحديث أن أخي الأكبر علي سعيد قد قرر أن يأخذني معه إلى طابت لأكمل دراستي الإبتدائية هناك .. فوافق أبي وعمي على رأي أخي علي سعيد .. وكان والدي عليه الرحمة هيينا سهلا ليينا تستخفه بسمه الطفل قويا يصارع الأجيالا .. ففرحت يومها ولم أنم من شدة الفرحة حتى صباح الغد .. وفي ذات المساء وأنا فرحا بماسمعت أخبرت أمي العزيزة لها الرحمة والمغفرة والرضوان وأعالي الجنان الفردوس الأعلى .. وأخبرت إخواني وأخواتي بأنني مسافر مع علي أخوي باللوري إلى طابت لأكمل دارستي هناك .. وقلت في نفسي سرا سأرتاح من حياة الريف ومشقة العمل في الزراعة والسعية (( وأطيب من العلي وأرتاح وليلي الحالك يبقى صباح بدر الحسن لي لو لاح )) فجهزوا لي الهديمات التي تعد على أصابع اليد الواحدة على قلتها .. بعد أن غسلوها بالصابون من ذرات التراب وريحة التمر ولون الخدار خالف لبد .. واحسب أن والدتي وأخواتي وإخواني قد جال بخاطرهم قول الفنان محمد جبارة ( رصوا الهديمات عدلوا وركبوا اللواري وقبلوا وخلوني وحدي بلا أنيس كيف الفراق اتحملو ) شوفي الزمن يايمه ساقني بعيد (خلاس) .. وبعد رحلة شاقة ومعناة الطرق الترابية من الدامر إلى الخرطوم 300 كيلو مترا حتى وصلنا العاصمة الخرطوم وكان سائق اللوري المرحوم جاه الرسول مساعد (سمبو ) .. وسمبو يعد من السواقين المهرة والصناعية الأفذا ومن أمثاله كثيرون من أبناء مدينة طابت وعلى سبيل المثال لا الحصر .. نذكر منهم عبدالرحيم الحسين .. وعلي احمد سالم (حلبة) وعثمان الجيلاني (الزبيرات) وحسن الصديق الحسن .. وعلي محمد عبدالرسول .. الرحمة والمغفرة والرضوان للذين رحلوا من هذه الفانية .. وتحية الصحة وموفور العافية للأخوين ( حسن الصديق الحسن وعلي محمد عبدالرسول ) .. ومن الخرطوم مرورا إلى طابت الشيخ عبدالمحمود .. ومن شدة فرحتى بهذه الرحلة الميمونة والسفرة الطويلة الشاقة والممتعة في نفس الوقت ..كان شوقى للوصول إلى مدينة طابت لا تحده حدود ولم ألتفت للخرطوم أوغيرها من المدن والأرياف التي طواها وضرعها الأوستن وهو ينهب الأرض نهبا حجرها ومدرها تاركا خلفه العلال يملا الفضاء منذ أن فارقنا الزلط بعد الجديد الثورة ونزلنا بي شارع الهواء وقهوة الخشب .. وتيامنا كاب الجداد والسديرات الشرقية والغربية .. والنخيرة وصافية وكتفية (وفي كتفية ديك كم شبع الصقار .. وسييفك للفقر قلام ) حتي وصلنا ذات مساء حالم وجميل إلى المحروسة مدينة طابت وقلنا سلام .. وأكثر مالفت إنتباهي وأنا إبن الريف القادم للتو .. لمبات النيون المضاءة ليلا بالشوارع .. وصهريج المياه الذي يجاور منزل أخى على سعيد .. ( المنزل التحفة المعمارية ) والكنتين الناصية وفرج عباس .. ونادي العمال .. وزقاق ناس حامد عبدالله ..أشهر زقاق في طابت .. ومن بعد ذلك عرفت الأهل والجيران الكرام حوش ناس العم المبارك موسى وناس ود أرباب وناس حامد عبدالله .. وحوش ناس حاج خالد وحوش عمي عباس الحسن وحوش البرابره ناس عمنا مختار حسب النبي
وحوش ناس العياشي عمى عثمان ود احمد .. وناس أبو إدريس وناس شيخنا الفكي النور .. وناس ود النيل .. وحوش الكتاتمة وزقاق الكتاتمة .. والجامع والمسيد والقباب والحفير والترعتين والدكتين والأغنام والأنعام والرعاه .. والنادي الأهلي والمستشفى وطلمبات الوقود .. وناس عمي احمد المصطفى المقلي .. والسوق وجزارة اللحم ناس النقي وخير الباسط (أب دومة) وعبدالغني .. وتاج الدين الطيب حامد .. وزنكي الخضار والفواكهه وناس احمد الشيخ .. والورش والمجلس الريفي لطابت والحي الغربي لطابت (( احن إليك ياطابت احن لحيك الغربي ياطابت )) وتم قبولي في مدرسة طابت الإبتدائية الشمالية وكان ذلك بعد إضافة الفصل الخامس والسادس والسلم التعليمي الجديد كان ذلك في عهد النميري ووزير التربية والتعليم محي الدين صابر .. فالحقت بالفصل الرابع وأذكر من المدرسين المرحوم الشيخ عبدالجبار المبارك موسى وكان خطاطا ماهرا .. والمرحوم الشيخ عباس محمد البشير .. والمرحوم الناظر عثمان محمد خير .. ومن زملاء الدراسة والفصل أذكر منهم الشيخ جمال الدين الشيخ عبدالمحمود .. وإبراهيم علي ابوقرون ..وأنور السماني الطيب . ومبارك محمد عباس وميرغني احمد عشرة وغيرهم كثر .. وأول عهدي بالتلفزيون .. رأيته في منزل أخى علي سعيد .. فأصابتني الدهشة والذهول وكدت أن أهرب خوفا وفزعا وأنا أرى فريد عبدالوهاب يقرأ نشرة التاسعة مساء فعجبت من شحص نراه ولا يرانا .. ومن بعد ذلك كان مسلسل فارس ونجود .. نجود بنت الشيخ إطراد وسهرتنا اليلة (قوافل الزمان) ومتوكل كمال .. وشرم برم كعب الفجنان .. وركبنا ع الحصان نتفسح سوا .. وديع الصافي وفهد بلان .. بعدها طفت بالسوق وحواري وأزقة وميادين طابت ودار الرياضة كانت وقتها مسورة بجوالات القطن .. وموقف الخرطوم وبصات ودالكمن بلونها الأخضر الزاهي .. وكشك التيجاني فرح وموقف الحصاحيصا طابت .. العزازي .. والمجلس الريفي ونقطة البوليس ومستشفى طابت .. والمدرسة الصناعية ..والسرايا .. وطلمبات الوقود .. ومكتبة حبيب عبدالرحيم الثقافية .. وفول مهدي وسلطة الروب .. ودكان عثمان فرح .. ودكان محمد سعيد .. ودكان عمي احمد المصطفى المقلي ..وقهوة كونو .. وقهوة الزبير سعيد .. واستديو ابرق وقهوة جانقي وشاي العصر باللبن وفرن حامد عبدالله وفرن بخيت دراج .. والهناقر الضخمة للطواحين وسوق العيش ودكان عمي احمد حمزة الدالي .. ودكاكين ناس احمد علي الحاج واحمد كوكو .. ودكان العم سليمان الفحل للأقمشة الرجالية والترزي عوض دراب ..ودكان احمد عبدالله .. وعبدالقادر ابو إدريس والأمين عبداللطيف وترزي الشباب الأمين الشيخ ودكان ناس الطيب قمر الدولة .. ودكان التيمان .. وعبدالله احمد عبدالله للإسبيرات .. ودكان حاج بابكر دكين .. والطاهر محمد الحسن وأدي شعير .. ودكان حاج خالد .. والترزي فضل على سلامة .. وميرغني كبانية وعثمان الشراقي .. ومحمد الطيب النور أشهر تاجر قطاعي في ولاية الجزيرة وأسرع محاسب وبإستطاعتة أن يحاسب عشرة زبائن في وقت واحد ..أنت هناك .. أيوا .. عندك فحم وزيت وبصل وصلصلة وشمار وصابون وظهرة وووو …. وحسابك كذا .. وأنت هناك .. وهكذا .. والعشش ودكان عبدالقادر ودبلل .. وناس الأمين النيل .. وعثمان الشراقي وعبده الطيب .. وصالون مصطفى الحلاق .. والترزي علي يوسف ( كاركتلي ) ودكان الهادي عبدالماجد النزل .. كأجمل دكان في سوق طابت للعطور والملابس والبخور .. وناس عبدالعاطي .. وحلواني الزبير الوسيلة .. وغير ذلك .. العديد العديد من المحال التجارية والرموز والأعلام بسوق طابت .. وأول حفل شهدته كان في ديوان المرحوم عمي عباس الحسن وكان الفنان ود المبارك سمعته يغني لأول مرة بصوت جهور وتتطريب عالي وبدون مايكرفون صوته يسمع مابين الترعتين وكان من الأناقة والهيبة والعلو بمكان .. وعرفت لاحقا أنه .. ما كان في (ود مقنعة) يستطيع أن يخرب حفلة فنانها محمد المبارك .. أب كرابة .. والكرابة هي حزام البنطال وأول من لبس الحزام هو الفنان محمدالمبارك ..أناقة مش كدا يا (عاصم المبارك) .. وقيل أن العم المبارك موسى عليه رحمة الله حينما رأى إبنه على هذا الحال .. قال له ها جنا ها الشى الكاربها بطنك دي شني .. يعني الحزام فمن يومها أطلق على الفنان محمد المبارك ..أب كرابة..
الرحمة والمغفرة والرضوان وأعالي الجنان لمن ورد ذكرهم هنا وهم في دار القرار وفي مستقر رحمة الديان الرحيم .. وتحية الصحة ومفور العافية للذين هم على قيد الحياة ومعذرة لمن لم يرد ذكرهم هنا خشية الإطالة .. وطابت في القلوب وفي الحنايا والوجدان وطابت زهرة المدائن وأيقونة العلم والفنون والآداب .. تحياتي ولنا عودات وعودات إن طالت بنا حياة . تحياتي والمودة . الدامر 2026/1/1 م



