حين يصنع الإعلام الأسماء.. من التبعية إلى صناعة الوعي

د.صلاح عمر الطيب:
لعلّ أهمية الإعلام ودوره في توجيه الرأي العام قد تنبّه لها مبكرًا الأديب السوداني الكبير الطيب صالح حيث جسّد ذلك بعمق في رائعته دومة ود حامد. ففيها قدّم نموذجًا حيًّا لقوة الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية للأفراد داخل المجتمع
فقد كان سعيد يُعرف بين الناس بلقب سعيد البوم وهو وصف حمل دلالات سلبية لازمته طويلًا وأثقل كاهله اجتماعيًا غير أن تحوّله لم يكن نتيجة جهد فردي فحسب بل جاء عبر توظيف ذكي للإعلام إذ اتفق مع فطومة الفنانة وهي الوسيلة الإعلامية الأكثر تأثيرًا في ذلك الزمان فغنّت له في عرسه مقابل مبلغ كبير ومنحته لقبًا جديدًاسعيد عشا البايتات في إشارة إلى الكرم والمكانة وهكذا تحوّل في وعي الناس من رمز للخراب إلى رمز للجاه والكرم في مشهد يختصر قدرة الإعلام على إعادة تشكيل القناعات
وعلى نحوٍ مشابه يمكن قراءة زيارة الشيخة موزا بنت ناصر إلى السودان قبل فترة والتي تضمّنت زيارة الأهرامات فقد أعادت هذه الزيارة إلى الأذهان حقيقة أن السودان بلدٌ ذو حضارة عريقة ضاربة في عمق التاريخ والمفارقة أن هذا الإرث ظلّ مهملًا في الوعي العام حتى بدا وكأننا في حاجة إلى من يذكّرنا به من الخارج فجأة انطلقت التصريحات والمبادرات للتعريف بالآثار وكأننا نكتشف ذواتنا للمرة الأولى
وهنا يبرز التساؤل لماذا ننتظر دائمًا محفزًا خارجيًا لنلتفت إلى ما نملك ولماذا نعجز عن رؤية أنفسنا إلا عبر عيون الآخرين
إن المتأمل في واقع الإعلام العالمي يدرك أنه لم يعد مجرد ناقل للأحداث بل أصبح فاعلًا رئيسيًا في إعادة تعريفها فالمعتدي قد يُقدَّم بوصفه محاربًا للإرهاب بينما يُصنَّف المعتدى عليه إرهابيًا إنها مفارقة تكشف حجم التأثير الذي يمارسه الإعلام في تشكيل الإدراك الجمعي
لقد غدا الإعلام اليوم قائدًا فعليًا للأمم يوجّه الرأي العام ويعيد تشكيل القيم ويصوغ الوعي وفي ظل عولمة جارفة لم يعد التأثير مقتصرًا على السياسة بل امتد إلى الثقافة والفن وأنماط الحياة بل وحتى تفاصيل السلوك اليومي إنها عملية إعادة تشكيل للإنسان وفق رؤى من يمتلكون أدوات التأثير
غير أن إعلامنا في كثير من تجلياته لا يزال أسير اللحظة قائمًا على التبعية وترديد الصدى منتظرًا المبادرات الخارجية ليتبناها وهو بذلك إعلام عاجز عن صناعة وعي حقيقي لا يقدّم ولا يؤخّر فالإعلام المؤثر هو الذي يبادر ويستكشف ويعرّف الشعوب بذاتها بدل أن ينتظر من يعرّفها بها.



