فى رثاء سامية جاد الله.. من تبسّمها تُروى الحكاية

بقلم/ الدكتور جلال الدقير:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين.
قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26–27].
وها هي الدنيا تعاود الكرة بعد الأخرى، جريًا على عادتها التي لا تتخلف أبدًا؛ سنةٌ ماضية، وقدرٌ مقدور، وكلٌّ في كتابٍ مبين. إن سهم المنايا المرتسم على رقابنا لهو من أبرز مصاديق تلك السنة الماضية، حين يدور دورته الحتمية، فيأخذ من دنيانا الأحبة الأعزاء، عابرًا بهم إلى أفقٍ لا يدركه النداء، مخلفًا فينا ذلك اللسع المؤلم والوخز المبرح.
ويشتد وقع الفقد حين يكون الراحل من أزاهر الرياض وشموع الإضاءة، من ذوي الخلق الرفيع والحياء الفطري والسلوك القويم، كفقيدتنا الراحلة العزيزة سامية جاد الله، التي وهبها الله من جميل الخصال وحسن السمت والشيم ما جعلها ممن يألفون ويؤلفون، وتستوسق في إلفتهم القلوب
ولقد أحسن من وصف الحياة بأنها فضاءات متسعة، تتقاطع فيها المواقف والمشاهد تجردًا، وترتسم فيها الذوات والشخوص تجسدًا. وبين التجرد والتجسد ترتفع القيم أو تنزوي، وتبقى الصور الراسخة في الوجدان، ويبقى دائمًا ما كان ألصق بنصاعة العقل وشفيف الروح.
وهكذا تكون قيمة المرء في هذه الحياة: بما يحسنه من فعال، وما يتحلى به من خصال؛ إذ قيمة المرء ما يُحسن.
عندما أُوليتُ وزارة الصناعة والاستثمار في مطلع العام 2001، كانت في طاقمها الإداري المساعد للوزير سامية جاد الله، ومعها بثينة وآمال، يقودهنّ بهمة لا تفتر المدير التنفيذي بلال يوسف، الذي صار لاحقًا وكيلاً للوزارة.
كنَّ نُسْلةً من طينة واحدة، توزعت في ذوات متعددة، حتى بلغ التشابه بينهن حدًّا نادرًا في طباع البشر، فكوّنّ فريقًا من الألق والإتقان والإبداع، يشهد عليه كل من عمل معهن. ثم انتقلت سامية معي إلى وزارة التعاون الدولي، ومن بعدها إلى رئاسة الجمهورية.
فما الذي كانت تحسنه سامية في هذه المسيرة المتنوعة؟
كان وجهها مطبوعًا على التبسم والبشاشة، لا تُجيد خلجاته غير تلك الابتسامة الصافية، جِبلّةً وطبعًا. وقد صح عن النبي ﷺ قوله: «تبسّمك في وجه أخيك صدقة»، فكم كان نصيب سامية من هذه الصدقات!
لم نرَ لها غضبًا، وإن غضبت يومًا، فما عُرف عنها أنها أغضبت أحدًا، لا في عملها ولا في محيطها الاجتماعي.
وكما كانت ابتسامتها، كان حياؤها؛ طبعًا راسخًا وفطرةً نقية. كان نظرها إلى الأرض عند الحديث، وكلامها يخرج في كامل الأدب والتهذيب، وكثيرًا ما يغلبها الحياء فتصمت، دون لجاجة أو إلحاح.
وفي علم الإدارة، يتميّز القادة الذين يُحسنون إدارة الأزمات وتدوير الزوايا الحادة بأقل الخسائر، وهؤلاء لا ينجحون إلا بوجود طواقم عمل مخلصة ومحترفة.
وقد كانت وزارة الصناعة السودانية زاخرة بمثل هذه الكوادر، وكان الشاهد على ذلك ما تحقق من نمو صناعي مشهود، نال إشادة منظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة مرات عديدة و حتى صار “صنع في السودان” مهرجانًا قوميًا يعكس نهضة قطاعات عديدة ليس هذا المجال لتفصيلها .
وكانت فقيدتنا الغالية في قلب تلك الملحمة، من الكوادر التي احترفت العمل تحت أقسى الظروف، وتميزت بصبرٍ خاص؛ إذ لم تكن ملامح التعب تعرف طريقها إلى وجهها، وكأن ابتسامتها سمة ثابتة في كيانها.
لم تكن سامية تعرف السكون، بل كانت دؤوبة السعي نحو الأفضل، معرفيًا ومهنيًا وماديًا. تسعى دائمًا لتطوير قدراتها، بقلبٍ واسع يتسع للجميع، بعيدة عن الهمز واللمز ومضيعة الزمن.
اللهم هذه سامية التي عرفناها وألفناها، وقد رحلت إليك، وأنت أعلم بها منا، وأرحم بها من أهلها.
اللهم فأكرم نزلها، ووسع مدخلها، واجعلها في عليين، واسقها من سلسبيلك، وأوردها حوض نبيك الكريم.
اللهم وارضَ عنها وأرضِها، واغمرها برحمتك التي وسعت كل شيء، وأنزل الصبر والسكينة على أهلها ومحبيها.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.



