
كتب ـ عادل حسن:
حين يعود المرء إلى وطنه ويهبط وقلبه يرتعد ويرتجف شوقا إلى المباهج المنتظرة كالنوم الهادئ تحت القمر مباشرة ولمة الخالات عند قهوة الظهيرة وعصرية استقبال الصحاب ومغربية شاي اللبن الطبيعي غير حليب المراعي وعند الصباح تلجم نفسك بلجام الالتزامات ولزوم ما لا يلزم اجتماعيا ثم يلسعك الحنين الي مقار عملك القديم ويصحو فيك الف جرح من لعج سنان الشوق للناس الزمان واين هم الان فقط تتمزق في سرك وتتهطل
يا الرحتو طولتو
وعليا ما سالتو
الزمن غلاب
غلبني يا اتو
وين وين رحتو
ثم تدس عيونك في أزلية المكان وتتخاطفك ذكريات ومواقع المكان المهجور حيث هنا موقع حليمة التي تمنحنا لذة قرصة البن وقهوة الظهيرة وهناك (باركنج) سيارة استاذ فضل الله محمد، له الرحمة وفارهة استاذة ابتسام عفان وعند المدخل كرسي صبي الاورنيش وسط كومة من الشقاوة واحذية الصحفيين اللامعة وانت تتجول وتبحلق بنظرك في عدة زوايا منفرجة وتتساءل: أين سلة المهملات المنتفخة بالأوراق ما بعد الطباعة بعد أن نال منها مزمل المقبول ما نال،، أين بقايا وجبة العشاء المتأخر لمحرري السهرة في الجريدة؟ أين طلاء الجدران الناصع بعد ان لسعته شموس هجر المكان
أين رفاق المهنة والرهق الفخيم اين وأين؟ ثم تنتحب وتبتلع عيونك التي غابت عنها ألذ حلوات التذكارات المعجنة لألطف ملم انتاشته رماح التصاريف الغليظة ثم تنحني على جسد الأرض وتقبله كمدلول عميق يتقفى أثر الزملاء الغائبين.
بدأت تجوالي أيها الاصدقاء النوارس في المهجر بالداخل والخارج والأصدقاء الأقمار فرافقوني، وانا أمضي في طريق المطار صوب الطائف فوجدت ديار أميري وحبيب الإلفة الأستاذ الضجة حسين خوجلي، ديار خاوية من معالم الحياة البهية الضحوكة فحديقة مجلسنا وتسامرنا صارت يبابا وكل شيء طاله الخراب وسكبت غزير المالح الدفاق ولعقته عند زاويتي شفتي على الذي كان هنا وما عاد فالدمار الممنهج ممتد بشكل شامل من عتبة المطار حتى عتبة البيت.
يالها من عودة اعتصرتني وطحنت عمري حرضني علي توثيقها زميلي وصديقي المحبب الاحب الاستاذ معتصم الشعدينابي ومن الساعة الأولى امتلات عيناي بالبيوت المخربة التي اخترقها وشوهها رعد المدافع اللئيمة للمرتزقة.
هذه هي الخرطوم تساقطت فوق أهلها وأصحابها وهذه محلات تجارية انطفأت أضواء النيون فيها وكانت تسوقا برجوازيا للمشتروات المستوردة للمأكولات الفاخرة وجوارها كتلة حديدية مصهورة كانت يوما سيارة المحل.
إنه اليوم الأول للزيارة امضيته أشاهد والملم بعيوني الحطام فانكسر خاطري ألف مرة، فلم أذهب إلى منزل صديق مودتي الجنرال حسن فضل المولى لأنه لازال يتمرق في قبوة مهجره بالخارج ولم أذهب لمنزل صفي وخل روح دكتور عمر محمود خالد، لأنني تركته بالخارج يتلظى وهو يكابد جرحين،
وكذلك لم أذهب إلى ديار خل الغوالي وسيد معزتي النهر الملون عبدالباسط سبدرات لأنيي ودعته وتركته يغالب غربتين (يفوت بلاد ويجي بلاد) مثل الطير المهاجر كذلك لم أزور ديار توأم روحي قسم خالد لأنه ممسك بشرك الأسرة بالخارج في غربة باردة تحت الصفر الزماني،
فلم أجد فيصل محمد صالح والزبير سعيد ومعتصم الشعدينابي وياسر المساعد ومحمد عبدالباسط ومحمد الصادق ومزمل المقبول وود الشريف وياسر عائس وحتى بهاء الدين أبوالقاسم الشقي الظريف.
فانكفيت عليهم بكبدي وانشدت في نزف انساني رقراق مثل بلبل غريب نواح نزلت عليه ستارة الليل
احبابنا أهل الهوى
رحلو وما تركو خبر
بالله يا طير المشارق
هل عرفت لهم أثر
فتأوهت من اعتوار جرح الشتات وحاولت الهرب إلى النوم فهاجمني الظلام والناموس وقتها فنهضت باكرا وأنا ارتجف رعبا من صباح اليوم التالي حين أذهب إلى مدني للأصدقاء والأهل وقد لا أجدها ولا أجدهم ولم أنس تحياتي إلى رفاعة وخالد أبوشيبة ازميل الحنية.
وفي مدني الهيفاء المكسورة وجدت الوجوه منصرفة عن الحياة وكل شيء له طعم الشوق وطعم النار ونزف التباريح وتحت وسادة الأيام دسيت وتركت لفافة دموعي وكتبت:
إلى خلي المسماخ عطر رويحتي وبلسم جرحي الباشمهندس عادل محمد احمد الطاهر انيس وحدتي وسند قوتي حضرت فوجدت غيابك في انتظاري وقدر ما اشتاق ليك برضو شوقي ما كفي.
ثم سافرت داخل عمري والدلوعة كسلا تباسم وصولي وترشقني بالنسيمات كأنني اغسل روحي المحروقة وفي حي الختمية المورق الأشجار والثمار الليل يغافل خصر التاكا الناهدة لحظتها روحي تهاتي وخواطري تتهدل لصنو معزتي وعطر الفتي اسحق الحلنقي، فانشطرت روحي إلى نصفين نصف في كسلا ونصف في إمارة العين، وانا استعطف اللحظات واستجدي المسافات:
فايت مروح وين
ما لسه الوقت بدري
خليك شوية معاي
عشان جمبك بطول عمري
ثم دلقت على ليلي دفقة من عطورات الذكريات الفواحة فازكت كل حي الختمية وافتتان الشوق الشارد للقاش، وهناك على مئات الأميال من الفيافي واوتاد الجبال سواكن تراودني باللقيا ومستطاب المقام ودكتورعصمت علي أحمد اوشيك الكسلاوي المليح القسيم يطرد عني غربان الوحشة ويستوعبني عند مطايب اخلاقه وشهامة عطائه ثم عم علاء الدين موسى البشرى الرجل المقدام بكل النبل والحفاوة يخصني:
غائب السنين الليلة مالو
غني العصافير غلبو
طراهو زول كان حنين
آه وآه
افترستني اللواعج




