مؤتمر برلين عن السودان (3-3)

ما البديل؟ — نحو سياسة دولية لا تبني على رمال..
درس ليبيا، سؤال السيادة، وما يحتاجه السودان حقًا!..
وائل عبدالخالق مالك:
في المقالين السابقين عرضنا الشكل الخادع لمؤتمر برلين وفككنا بنيته التمثيلية المزيّفة ثم قرأنا سجلّ الفشل المتسلسل لمؤتمري باريس ولندن الذي يرث برلين عاره كاملًا. يبقى السؤال الأصعب والأكثر إلحاحًا ما هو البديل؟
عندما نقارن الحالة السودانية بنماذج دولية أخرى نجد أن الأزمات التي تم تدويلها بشكل مفرط كالحالة الليبية والسورية انتهت بتمزيق الدولة وتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فعشرات المؤتمرات الدولية لليبيا كبرلين 1 وبرلين 2 وباريس وباليرمو لم تنجح في إنتاج سلطة موحدة لأنها تجاهلت الفاعلين الحقيقيين على الأرض وركزت على نخب الخارج. الدرس ليبيٌّ بامتياز والخطر سوداني بامتياز. المنطق ذاته يسري فحين تُبنى التسويات على نخب مؤتمراتية تستمد شرعيتها من الاعتراف الغربي لا من التفويض الشعبي تنهار تلك التسويات في أول اختبار ميداني. ليبيا لا تزال تدفع ثمن تلك المؤتمرات حتى اليوم وليس من حقنا أن نُعرّض السودان للثمن ذاته.
صرح مبعوث الإيقاد السيد لورنس كورباندي على أنه لا يمكن فصل تسييس العمل الإنساني عن المواقف وأن الحرب بطبيعتها عمل سياسي لكن يمكن إيجاد صيغة تقلل التسييس الفادح الذي يؤدي إلى استمرار النزاع. وهذه نقطة جوهرية فالفصل لا يعني الإنكار. الهمّ الإنساني حقيقي والحاجة إلى دعمه ملحّة. لكن الفصل الحقيقي بين المسار الإنساني والمسار السياسي هو ما تعجز عنه هذه المؤتمرات لأنها تُدمج المسارين في طاولة واحدة وتستخدم الإنسانية ذريعةً للتدخل السياسي، وتستخدم السياسة حاجزًا أمام وصول المساعدات. كلا الاستخدامين خاطئ وكلاهما يدفع ثمنه المواطن السوداني.
ليس الموقف المقصود هنا هو رفض التدخل الإنساني أو إغلاق الباب أمام المجتمع الدولي. السودان أحوج ما يكون اليوم إلى الدعم العاجل. لكن هذا الدعم يجب أن يسلك مساره الصحيح:
أولًا — المساعدات الإنسانية يجب أن تمر عبر الدولة لا ضدها. يجب أن تُفتح الممرات الإنسانية باتفاق مع الحكومة السودانية لا بتجاوزها، وأن يُستند إلى الآليات الوطنية الإنسانية التي أثبتت حضورها في الميدان. ما قدمته الحكومة السودانية من التزامات بالحل السلمي استنادًا إلى خارطة الطريق التي أودعها رئيس مجلس السيادة الانتقالي لدى الأمم المتحدة في مارس 2025، ومبادرة السلام التي طرحها رئيس الوزراء أمام مجلس الأمن في ديسمبر 2025 يشكّل الأرضية التي ينبغي البناء عليها لا تجاوزها.
ثانيًا — تمثيل حقيقي لا تمثيل انتقائي. يشمل أي مسار سياسي الفاعلين الحقيقيين على الأرض من الإدارات الأهلية والنقابات المهنية وممثلي النازحين وقوى المقاومة الشعبية في مناطق الصراع لا مَن يقيم في الخارج ويستلم اعترافه من المانحين.
ثالثًا — آليات إلزام لا وعود على الورق. يجب أن تقترن التعهدات المالية بجداول زمنية وآليات مراقبة وأن تترتب على التقاعس عواقب حقيقية لا أن تُودَع في أرشيف الوعود المنسية كما حدث بعد باريس ولندن.
رابعًا — الضغط على مصادر الاشتعال. ينبغي للمجتمع الدولي أولًا أن يمنع الدول المزودة لمليشيا الدعم السريع المتمردة بالسلاح والعتاد لأن هذا الأمر يسهم في حماية المدنيين من الأسلحة الفتاكة التي تستخدمها هذه المليشيا بلا هوادة. مؤتمر يتحدث عن حماية المدنيين ويُحجم عن تسمية موردي السلاح ليس مؤتمرًا لحماية المدنيين بل مؤتمر لحفظ ماء الوجه.
في ظل تحذيرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن استمرار الحرب وتفكك السلطة والانهيار المتسارع للبنى التحتية والاقتصادية يدفع البلاد نحو خطر التفكك الشامل يجلس المجتمع الدولي في برلين ليكرر ما فعله في باريس ولندن دون أن يسأل نفسه لماذا فشلنا مرتين؟ إن سؤال لماذا فشلنا؟ هو الشرط الأول لأي نجاح مستقبلي وهو السؤال الذي تخشى المؤتمرات طرحه لأن الإجابة عنه مكلفة سياسيًا على منظّميها. ومن لا يسأل لماذا فشل يُقدَّر له أن يفشل مجددًا.
نحن السودانيون دفعنا من دمائنا وأرواحنا ووجودنا ما يكفي ثمنًا لمؤتمرات لم تسألنا في معظمها ماذا نريد. وفي ذكرى الحرب الثالثة لا نحتاج إلى تمثيل مزيف بإسمنا ولا إلى بيانات لامعة بل نحتاج إلى إرادة حقيقية تحوّل الكلمات إلى ممرات آمنة والتعهدات إلى خبز. وإلى أن تكون هناك إرادة كهذه سيظل وطننا يدفع ثمن المؤتمرات من دم شعبه ومؤسساته الشرعية بينما يُحصِّل منظمو المحافل رصيدهم الدبلوماسي.
#جيش_واحد_شعب_واحد
#مافي_مليشيا_بتحكم_دوله
#ضد_الجنجويد
#جيشنا



