مقالات

دبلوماسية الحرب.. السودان يقلب الخرائط

وائل عبدالخالق مالك: 

في غضون أربعة أيام لا أكثر زار رئيس الوزراء السوداني د. كامل إدريس الفاتيكان والتقى البابا ليو الرابع عشر في روما يوم الاثنين ثم حطّ رحاله في لندن حيث شارك في مناظرة ينظمها اتحاد أكسفورد أحد أعرق منابر الحوار الفكري في العالم بدعوة رسمية. وبالتوازي مع ذلك كان رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان ينجز جولة خليجية مكثفة شملت المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان قبل أن تتوج بزيارة رسمية معلنة إلى مملكة البحرين.

لا أعرف إن كان المسؤولون الذين صاغوا هذه الجولات يدركون ما يقومون به بالضبط ولكن ما يجري يشبه شيئاً لم يشهده العالم منذ زمن طويل حيث دولة في حرب تتصرف كأن لديها ما تقوله وليس فقط ما تطلبه.

بدأ الرئيس البرهان جولته بالسعودية وسلطنة عمان دون إعلان رسمي. هذا الصمت الاختياري لافت في حد ذاته. الزيارات السرية في السياسة لا تعني بالضرورة نية مبيتة بل أحياناً تعني أن الرسائل التي تحملها ليست للعلن بعد. ما الذي قيل في الرياض ومسقط خلف الأبواب الموصدة؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. لكن أن البرهان التقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق في نفس الجولة يعني أن الرجل يحمل رسالة واحدة لعواصم لها ثقلها وليس مجرد بروتوكول. ثم جاءت زيارته للمنامة واستقبله الملك حمد بن عيسى في قاعدة الصخير الجوية. وتناول اللقاء حسب ما رشح في الأخبار مستجدات الأوضاع في السودان والجهود الإقليمية الرامية إلى وقف الحرب فضلاً عن الحفاظ على سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه. هذه الصياغة الأخيرة — السيادة والوحدة — تتكرر في كل بيان وتكرارها ليس عبثاً. السودان يذكر العالم أن ما يجري ليس مجرد حرب أهلية بل محاولة تفكيك.

والأمر الذي لم يحظ بتغطية كافية هو عندما أعرب البرهان عن إدانة بلاده للعدوان الإيراني الذي استهدف البحرين ودعم كل ما تتخذه المملكة من إجراءات لحماية سيادتها وأمنها. السودان في قلب أزمته الوجودية يجد وقتاً لاتخاذ موقف صريح من القصف الإيراني على دولة خليجية. هذا ليس تصريحاً دبلوماسياً فارغاً بل هذا وضع للسودان في خانة واضحة داخل المشهد الإقليمي المعقد.

أما رئيس الوزراء فمساره مختلف تماماً وربما أكثر إثارة للتساؤل. زيارة إدريس لروما تعد أول لقاء من نوعه لمسؤول سوداني رفيع مع بابا الفاتيكان منذ سنوات وجاء في الأخبار أن الطرفان ناقشا سبل وقف الحرب وتدفق المساعدات الإنسانية ودعم استقرار البلاد. البابا ليو الرابع عشر ليس وسيطاً سياسياً بالمعنى التقليدي لكنه صوت أخلاقي يملك تأثيراً لا يستهان به في أروقة أوروبا وأمريكا اللاتينية. أن يجلس رئيس وزراء السودان أمامه ويتحدث عن الحرب هذا اختيار ذكي ومحسوب.

بعد ذلك جاءت جامعة أكسفورد التي جاء في دعوتها أن د. كامل إدريس يقود حكومة معترفاً بها دولياً وتوصف بأنها حكومة الأمل المكلفة بالحفاظ على الخدمات الأساسية والسعي إلى إعادة الإعمار وإدارة مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة وسط رقابة إقليمية ودولية مكثفة. هذه الصياغة — حكومة الأمل — ليست تواضعاً بل هي استراتيجية خطاب. وأوضح د. كامل إدريس أن مشاركته ستتناول قضايا السودان ومسؤوليات القيادة في أوقات الأزمات إلى جانب أهمية التعاون الدولي في بناء السلام وصون الكرامة الإنسانية.

ما نشهده هو شيء يشبه التقسيم المتعمد للأدوار حيث البرهان يحكم العلاقة مع الخليج الذي يملك المال والتأثير و د. كامل إدريس يبني الصورة في الغرب الذي يملك المنظمات والضغط والروايات. الجبهتان ضروريتان لأي مسار سلام حقيقي. لكن الدبلوماسية مهما بلغت أناقتها تظل عديمة المعنى ما لم تتحول لقاءات الرئيس البرهان في الخليج إلى ضغط فعلي على من يمول الحرب، وما لم يتحول خطاب د. إدريس في أكسفورد إلى شيء يسمعه ويعيشه الضحايا النازحون داخل السودان أو اللاجئون خارجه.

السودان يتحدث والعالم يستمع نوعاً ما. والحرب ما زالت تأكل كل شيء والحركة الدبلوماسية ضرورية لكنها ليست كافية.

ثمة ثلاثة مسارات محتملة لما يجري ولا رابع لها في تقديري.
الأول أن تنجح هذه الجولات في بناء ضغط إقليمي ودولي حقيقي يفضي إلى وقف إطلاق نار ذي معنى، وليس الهدنة الورقية التي طالما جرى الاحتفال بها ثم خرقها في اليوم التالي بل وقفاً يرتب له ويراقب ويعاقب منتهكه. هذا السيناريو ممكن لكنه يشترط أن تكون الحكومة السودانية مستعدة لتقديم شيء في المقابل وألا يكون هذا الشئ مجرد وعود.
الثاني أن تنتهي هذه الجولات بما تنتهي إليه كثير من الجولات السودانية قبلها من بيانات مرضية وصور تذكارية وعودة للحال على حاله. هذا هو المسار الأسهل وللأسف الأكثر احتمالاً إن لم تبني على هذا الزخم الدبلوماسي خطوات عملية سريعة وملموسة.
الثالث — وهو الأخطر — أن توظف هذه المكاسب الخارجية لتعزيز مواقف طرف دون آخر داخل المشهد السوداني وأن تتحول الدبلوماسية إلى سلاح في حرب الروايات الداخلية بدلاً من أن تكون بوابة نحو تسوية.

السيناريو الأول هو الذي ينبغي أن تعمل له الحكومة بجدية وهو لا يتحقق بالزيارات وحدها. يتحقق حين تدرك القيادة السودانية — في مجلس السيادة وفي مجلس الوزراء معاً — أن أي سلام خارجي لا يسنده توافق داخلي سيظل هشاً كبيت من ورق. التوافق الوطني الحقيقي لا يعني مصالحة الجميع بالضرورة لكنه يعني بالتأكيد ألا يستثنى أحد من طاولة التشاور. لا القوى المدنية التي تحمل مشروعية شعبية لا يمكن تجاهلها، ولا القبائل والأهالي الذين يدفعون الثمن يومياً، ولا شباب السودان المنتشر في المهجر والذي باتت مواقفه وأصواته تصل إلى أكسفورد وبروكسل قبل أن تصل إلى بورتسودان.

القوات المسلحة السودانية التي تخوض حرباً وجودية تحتاج هي نفسها إلى هذا التوافق. الجيوش لا تنتصر على المدى البعيد بالسلاح وحده بل بالشرعية الداخلية. وحين يشعر المواطن أن دولته تمثله وتسمعه وتحمي مستقبله لا مجرد أرضه يتحول من متفرج إلى سند. هذا هو الرهان الحقيقي من وراء كل هذا الحراك الدبلوماسي والذي نرجو أن يترجم في النهاية إلى عقد اجتماعي جديد داخل السودان قبل أن يحتفى به في عواصم الآخرين.

#جيش_واحد_شعب_واحد
#مافي_مليشيا_بتحكم_دوله
#ضد_الجنجويد
#جيشنا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى