أخبار وتقاريرمقالات

محاولات الحركة الإسلامية السودانية (بقيادة علي كرتي) لإعادة تموضعها عبر واشنطن ومراكز الضغط الصهيونية

تقرير تحليلي: 

د.أسامة سيدأحمد حسين: 

استناداً إلى المعلومات المتاحة حتى مايو 2026، نقدم تحليل يوضح طبيعة هذه المحاولات وأبعادها:

1. الشخصية المحورية: علي كرتي
علي أحمد كرتي هو الأمين العام للحركة الإسلامية السودانية، ويُعتبر من أبرز الشخصيات المرتبطة بنظام عمر البشير السابق (1989-2019) .
خلفية:
شغل سابقاً منصب وزير الخارجية، وهو خريج كلية شرق أفريقيا للدراسات الإسلامية (باكستان/السودان) التي تخرج منها أيضاً قيادات إخوانية بارزة.
واقع العقوبات:
تم فرض عقوبات أمريكية عليه شخصياً عام 2023 بتهمة تقويض الانتقال الديمقراطي والإسهام في انهيار العملية السياسية التي سبقت الحرب .
2. استراتيجية إعادة التموضع: “المنفى في السلطة”
منذ أبريل 2026 (أواخر 2025)، قاد كرتي جهازاً خارجياً معقداً بهدف إقناع واشنطن بأن الحركة الإسلامية لم تعد “تهديداً” بل جزءاً من الحل في السودان.
تشمل الاستراتيجية:
· توظيف شركات الضغط (Lobbying):
تم التعاقد مع شركات علاقات عامة ومكاتب محاماة في واشنطن لفتح قنوات اتصال مع مسؤولين أمريكيين وأشخاص مقربين من دوائر صنع القرار .
· المرونة البراغماتية (التنازلات المحتملة): أشارت التسريبات إلى استعداد الإسلاميين لتقديم تسهيلات حساسة مقابل رفع القيود وعودة الانخراط الغربي، مثل:
· عدم عرقلة أي تسوية سياسية تهدف لإنهاء الحرب.
· إظهار مرونة تجاه قضايا شائكة مثل المحكمة الجنائية الدولية (ICC) والقادة المطلوبين دولياً من نظام البشير .
3. محور “الضغط الصهيوني”: الأداة الإسرائيلية
أكثر ما يلفت الانتباه في التحركات هو محاولة استخدام جهات مرتبطة بإسرائيل كجسر للوصول إلى واشنطن:
الشخصية الوسيطة: ذكرت تقارير أن آري بن مناشيه، رجل الأعمال الكندي الإسرائيلي وضابط الاستخبارات السابق، لعب دوراً في هذا السياق. وقد اعترف بن مناشيه بلقاءات سابقة مع كرتي، ومساعدة في ترتيب اتصالات مع مسؤولين أمريكيين، أبرزهم وزير الخارجية الأسبق جون كيري خلال السنوات الأخيرة من حكم البشير .
· الرمزية السياسية: تمثل هذه الخطوة تحولاً دراماتيكياً. فتاريخياً، كانت العلاقة مع إسرائيل من أكثر القضايا الفكريه والعقديه حساسية للحركة الإسلامية السودانية (استضافت الخرطوم قممًا عربية تبارك مقاطعة إسرائيل). لكن المشهد الجيوسيلي المتغير دفع الإسلاميين لإعادة تقييم مواقفهم سعياً للبقاء السياسي .
4. العروض المقدمة: البحر الأحمر وسلة الهدايا الجيوسياسية:
ما الذي تقدمه الحركة الاسلاميه لواشنطن (والغرب) مقابل هذا القبول السياسي؟
· ضمانات أمن البحر الأحمر: تدرك واشنطن أن السودان يقع عند تقاطع ممر البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية والأمن القومي الأمريكي . تقدم الحركة نفسها كطرف قادر على ضمان الاستقرار في هذا الممر الحيوي، ومنع تحوله إلى منطقة فوضى تهدد الملاحة.
· بديل عن النفوذ العدائي: يقدم الإسلاميون السودانيون أنفسهم كحاجز ضد النفوذ الروسي (الذي يطمح لقاعدة بحرية في بورتسودان) والإيراني (الذي يُتهمون هم أنفسهم بالارتباط به، مما يشكل مفارقة) . هم يحاولون إعادة بيع أنفسهم كحلفاء موثوقين ضد “الإرهاب” خصومهم.
5. المفارقة الحادة/ التصنيف الإرهابي:
المشكلة الكبرى أمام هذه المحاولات تتمثل في موقف واشنطن العملي:
· التصنيف كمنظمة إرهابية: في مارس 2026، صنفت الإدارة الأمريكية جماعة “الإخوان المسلمين السودان” كمنظمة إرهابية أجنبية ، متهمة إياها باستخدام العنف ضد المدنيين، وتجنيد آلاف المقاتلين بدعم إيراني، وتقويض السلام .
· الذراع العسكري: تم إدراج “كتائب البراء بن مالك” (الذراع العسكري للحركة) كجماعة إرهابية أيضاً .
· معضلة الجيش السوداني: هذا الوضع يضع قائد الجيش البرهان في مأزق؛ لأنه بينما ينفي رسمياً وجود إخوان داخل الجيش، فإنه يعتمد عليهم فعلياً كحلفاء في المعركة ضد قوات الدعم السريع .
6. موقف المعسكر المنافس (تاسيس/صمود)
المعارضون السودانيون يرفضون بشدة هذه المحاولات:
· تحالف تاسيس (السودان التأسيسي): يتهم هذا التحالف (الذي يضم تيار الأمة والحركة الشعبية قطاع الشمال) الإسلاميين بأنهم “يعودون للسلطة عبر الحرب” بعد أن أخرجتهم الثورة الشعبية. يصفونهم بأنهم يسيطرون على غرف العمليات العسكرية والألوية النخبوية ويوجهون مؤسسات الدولة في بورتسودان .
· الرؤية البديلة: يقدم تحالف تاسيس بديلاً علمانياً فيدرالياً (ميثاق نيروبي) يهدف لقطع الصلة بين الدين والدولة بشكل نهائي، وهو ما يعارضه الإسلاميون بشدة .
7. الاستنتاج: رهان غير مضمون:
محاولات علي كرتي هي مبادرة يائسة وذكية في نفس الوقت. إنها تعكس إدراك الحركة أن مستقبلها مرتبط بالقبول الدولي، خاصة مع فشل حلفائها التقليديين (كإيران) في حمايتها من التصنيف.
من وجهة نظر واشنطن:
بينما تشعر الإدارة الأمريكية بالقلق من الفوضى في البحر الأحمر وترغب في إنهاء أسوأ أزمة إنسانية في العالم ، فإن تصنيف الإرهاب يمثل عقبة قانونية وسياسية كبيرة. إن الجلوس مع “إرهابيين” مصنفين أمر صعب، خاصة في عام انتخابات.
السيناريو الأرجح:
ربما تستخدم الإدارة ورقة الإسلاميين كـ “ضغط” على الجيش لقبوله بالعملية السياسية، أو كـ “جسر” لضمان استمرار تدفق المساعدات الإنسانية. لكن العودة الكاملة للحركة إلى الواجهة كما كانت قبل 2019 تبدو “غير واقعية” حالياً، على الرغم من أن الحرب أضعفت بشكل كبير القوى المدنية التي كانت ستمنع ذلك .
ملاحظة: يستند هذا التحليل إلى تقارير إعلامية وتصريحات رسمية حتى مايو 2026، حيث أن الصراع السوداني يتسم بالتقلب السريع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى