مقالات

دمشق والخرطوم.. كيف يعيد الاقتصاد والإعلام تشكيل الثقة في زمن الحرب؟ 

رانيا عمر: 

لا يمكن فهم الأزمات الاقتصادية في سياقات ما بعد الحرب بوصفها اختلالًا ماليًا فقط، بل باعتبارها أزمة أعمق تتعلق بإنتاج “المعنى العام” الذي يحكم علاقة الدولة بالمجتمع. فحين تُختزل حياة الناس في القدرة على تأمين احتياجاتهم الأساسية، وتتحول لقمة العيش إلى معركة يومية، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت الاقتصاد لتصل إلى جوهر الثقة بين الدولة ومواطنيها.
فالحروب لا تعيد رسم الجغرافيا فقط، بل تعيد تعريف معنى الاستقرار نفسه، وتضع هذه الثقة أمام اختبار طويل وشاق.
ومن هذا المنظور، لا تعود الأسئلة مرتبطة بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل تمتد إلى طريقة إدارة الدولة للأزمة، وصياغة خطابها العام، وكيف يتشكل وعي الناس تحت ضغط المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
من دمشق إلى الخرطوم، تتقاطع التجربتان في أسئلة متشابهة: كيف يمكن لدولة أنهكتها الحرب أن تعيد بناء اقتصادها؟ وكيف تتحول الأزمة المعيشية إلى أزمة ثقة ورواية ووعي؟ والأهم: كيف يحافظ المواطن على إيمانه بالمستقبل وسط هذا التآكل المستمر في مقومات الحياة اليومية؟
في هذا السياق، قدّم الإعلامي والأكاديمي الدكتور أكرم خزام، في حلقة خاصة عبر منصة “بالعربي”، قراءة معمّقة للمشهد الاقتصادي والإعلامي في دمشق، مركزًا على العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والإدارة والخطاب الإعلامي، وكيف ينعكس ذلك مباشرة على وعي المجتمع ومستوى الثقة بين المواطن والدولة.
ويكتسب هذا الطرح بالنسبة لي بعدًا شخصيًا مهمًا، إذ إن الدكتور أكرم خزام كان أستاذي والمشرف على رسالة الماجستير الخاصة بي خلال فترة دراستي، وقد شكّلت تلك التجربة الأكاديمية محطة مفصلية في مساري العلمي. فقد ساعدتني على إعادة صياغة طريقة التفكير في العلاقة بين الإعلام والمجتمع، وعلى الانتقال من التحليل الوصفي إلى التحليل البنيوي للعلاقات بين السياسة والاقتصاد والخطاب العام، وهو أثر ما زلت أعتز به على الصعيدين العلمي والمهني.
ما يميّز هذا الطرح أنه لا يتعامل مع الأزمة الاقتصادية بوصفها أرقامًا مجردة أو مؤشرات معيشية فقط، بل كمنظومة مترابطة: اقتصاد تُصاغ قراراته في سياق سياسي، وإعلام يعيد إنتاج تلك القرارات، ومجتمع يعيش نتائج هذا التفاعل يوميًا. وهنا يتحول المجال الإعلامي من مجرد ناقل للواقع إلى مساحة لإعادة إنتاجه وتأويله، بما يخلق طبقات متعددة من “الحقيقة المتداولة”. ومن هنا، تصبح الثقة ليست مجرد نتيجة اقتصادية، بل حصيلة تفاعل مركّب بين السياسة والإدارة والإعلام.
وفي الخرطوم، حيث تتواصل تداعيات الحرب وتتفاقم الضغوط المعيشية، تتكرر الصورة ذاتها: تراجع الخدمات، ارتفاع تكاليف الحياة، ضعف القدرة الشرائية، واتساع فجوة الثقة بين المواطن والدولة. غير أن الأخطر من ذلك ليس فقط الانهيار الاقتصادي، بل تآكل “سردية المستقبل” لدى الناس؛ أي تراجع قدرتهم على تصديق أن الغد قد يحمل تحسنًا حقيقيًا.
وهنا يبرز الدور الحاسم للإعلام، لا بوصفه ناقلًا للأخبار فقط، بل بوصفه أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام. ففي لحظات الأزمات، لا يكتفي الإعلام بشرح الواقع، بل يتحول إلى ساحة تنازع على الرواية: من يفسّر الأزمة؟ من يحدد أسبابها؟ ومن يمنحها المعنى في الوعي العام؟
ويكمن الإشكال في هذه المرحلة في انتقال السلطة الرمزية من المؤسسات الإعلامية التي تمتلك أدوات التحقق والتوازن، إلى فضاء المؤثرين وصناع المحتوى والبلوقرز، الذين يعتمدون على القبول الجماهيري والتفاعل بوصفه معيارًا أساسيًا للانتشار والتأثير. وهكذا يصبح المجال الإعلامي أكثر سرعة، لكنه أقل انضباطًا، وتتشكل “حقائق جماهيرية” قد لا تعكس الواقع بدقة، لكنها تكتسب قوتها من انتشارها لا من صحتها.
وهنا تتشكل حلقة سببية معقدة: ضعف الثقة يدفع الجمهور إلى بدائل إعلامية غير تقليدية، وهذه البدائل قد تعيد إنتاج اضطراب الإدراك العام بدل معالجته، ما يزيد من تعقيد الأزمة بدل حلها.
في المقابل، يواجه الإعلام التقليدي تحديًا مزدوجًا يتمثل في بطء الإيقاع من جهة، وتراجع مستوى الثقة من جهة أخرى، ما يخلق فراغًا واسعًا تتسع فيه مساحة التأثير غير المنضبط، ويزيد من صعوبة بناء سردية مستقرة ومتماسكة حول الأزمات.
ومن هذا المنطلق، يؤكد خزام أن أي مشروع إصلاح اقتصادي لا يمكن فصله عن الإنسان واحتياجاته اليومية، خصوصًا في الدول الخارجة من الحروب. فالمجتمعات المنهكة لا تبحث عن شعارات تنموية، بل عن استقرار معيشي ملموس يبدأ من الغذاء والخدمات وفرص الحياة الأساسية.
وبناءً على ذلك، يقوم أي مسار إصلاحي فعّال على مجموعة من الأولويات، في مقدمتها: توجيه الاقتصاد نحو تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن، وإعادة ترتيب الإنفاق العام وفق الواقع المعيشي الحقيقي، ودعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، إلى جانب ضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار، وتعزيز الشفافية، وربط الإصلاح الاقتصادي بإصلاح إداري ومؤسسي متكامل، مع خطاب إعلامي صادق يشرح الواقع بدل تجميله أو تبسيطه المخل.
ورغم أن هذه التوصيات تنطلق من الحالة الدمشقية، إلا أنها تنطبق بدرجة كبيرة على الخرطوم، حيث تتشابه طبيعة التحديات: اقتصاد مرهق، دولة تحت ضغط، ومجتمع يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار قبل أي وعود تنموية بعيدة المدى.
في النهاية، لا تُقاس قدرة الدول على النهوض بحدة أزماتها، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة مع مواطنيها. فالأوطان لا تنهار فقط بفعل الحرب أو الاقتصاد، بل حين يتآكل الإيمان الجماعي بإمكانية التغيير.
ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم أن التعافي يبدأ لحظة يُعاد فيها تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الصدق والواقعية، لا على أساس الوعود.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى