
إخلاص نمر:
** في العام 2025 ،قضت محكمة العدل الدولية -الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة -بضرورة التزام الدول بحماية البيئة ،من انبعاث غازات الاحتباس الحراري ،ونادت بأهمية العمل والتعاون للوفاء بهذا الالتزام،الذي وصفه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أنه (انتصار للكوكب) ،وامنت المحكمة على أنه في حالة إخلال أي دولة بهذا الالتزام،فان عليها تحمل المسؤولية القانونية الكاملة ،اذ أنه من الممكن أن تتم مطالبتها قانونا ،بوقف السلوك المخالف،مع تقديم الضمانات الكافية بعدم تكراره .
** وفي مايو من هذا العام2026 أيدت الجمعية العامه للأمم المتحدة،قرار محكمة العدل الدولية ،في حماية المناخ ووصفته ب(الالتزام القانوني ) وشددت على أهمية تنسيق الجهود واستمرارها للتصدي لأزمة المناخ والتخلص من الوقود الأحفوري ،والحفاظ على درجة الحرارة دون 1.5مع حماية الحقوق في الصحة والحياة من خلال السياسات المناخية ،بجانب الوفاء الكامل بالتعهدات الواردة في اتفاقية باريس للمناخ.
الأمر الذي دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى القول (للوصول إلى تحقيق العدالة المناخية بعيدا عن الوقود الأحفوري بل نحو الطاقة المتجددة )مشيرا إلى أن الفئات المتضررة والأقل تسببا في أزمة المناخ ،هي الأكثر ضررا وفق وصفه.
** ويمثل القرار الذي أيدته 141 دولة ، وامتنعت 23 دولة عن التصويت مع معارضة 8 دول ،يمثل أهمية كبرى للكوكب،إذ مازالت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ،تهدد حياة الإنسان الحالية والأجيال القادمة ،وتشكل سببا رئيسا للاحترار العالمي بجانب النشاط البشري ،الذي احدث اضرارا كبيرة في الطبيعة ،وهاهي آثاره بادية على النظم الهشة،خاصة وأن أقل المساهمين في أزمة المناخ ،يواجهون اليوم مناخا قاسيا وتحديات جمة، فالقراريتضمن رسالة واضحة للتصدي لأزمة المناخ ،وهو بمثابة الواجب القانوني الذي جعل أنطونيو غوتيريس يرفع صوته بالقول (لقد نطقت أعلى محكمة في العالم بكلمتها).
** التخلي عن الوقود الأحفوري،يقود إلى خفض انبعاثات غازات الدفيئة ،ويساهم في الحد من ارتفاع درجات الحرارة و الجفاف والفيضان ،مايترك بصمة إيجابية على حماية البيئة وتحسين الحياة العامة،ليستنشق الكوكب هواء لا يحمل في ذراته تلوثا،يسبب الأمراض القاتلة،كما أن لمصادر الطاقة المتجددة من الرياح والشمس والماء استدامة بينه،تجعل الكثير من الدول تعتمد على مواردها ،وتمزق فاتورة استيراد الوقود من الخارج، بجانب فتح وظائف وفرص عمل في مجالات الطاقة الشمسيه والأنظمة الخضراء والتكنولوجيا النظيفة.
**تلعب العدالة المناخية دورا محوريا في تخفيف الأزمة المناخية ،إذ تعلي من أهمية التزام الدول الصناعية التي تساهم بنسبة عالية في انبعاث الكربون ،بتقديم الدعم التقني والمالي المجتمعات الهشة والضعيفة والدول النامية، لدعم تحول هذه الدول نحو الطاقة النظيفة والتكيف مع المناخ ،ورغم أنها مطلبا أساسيا الآن في الدول المتأثرة بالانبعاثات ،إلا أن إيقاع التطبيق بطيئا وضعيفا مع (مماطلة) من الدول الصناعية المسؤولة عن ذلك في التمويل العاجل والسريع جدا في آليات الخسائر والأضرار ،بجانب أن حقوق ملكية الدول الصناعية للتكنولوجيا الحديثة مازال عقبة أمام نقل التقانات للدول الأخرى ،بسبب فرض قيود النقل الصارمة من الدول الصناعية .
**وكان أن أظهرت نتائج مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ كوب (30)في مدينة بيليم البرازيلية ،ضرورة وأهمية تقديم الدول لالتزاماتها الوطنية المحدثة الخاصة بخفض صافي الانبعاثات،بنسبة تتراوح بين 59،67% بحلول عام 2035 ،مقارنة بمستويات 2005 مع الإبقاء على الاحترار العالمي دون 1.5درجة مئوية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية ،من أكبر الدول لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري ،وفي مؤشر هدف خفض الانبعاثات مازالت متأخرة بشكل واضح ،بجانب أنها غابت عن كوب 30 وفقا لانسحابها التام من اتفاقية باريس للمناخ ،وتقييد الوصول لمنصات ومواقع المناخ .
**يفاقم التغير المناخي شتى أصناف الأزمات في الدول النامية حيث يسهم في ارتفاع درجات الحرارة و الفيضان والجفاف ،فتظهر الأضرار في قطاع الزراعة، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي ،ويقف حاجزا أمام استدامة التنمية ،فالعواصف والاعاصير تجبر السكان على النزوح وترك أراضيهم والبحث عن مناطق آمنة ،اما الدول الجزرية فإنها تقع تحت بند الشكوى الدائمة من ارتفاع منسوب مياه البحر وتآكل السواحل .
**اتمنى أن يتم الالتزام الجاد والحقيقي بتطبيق قرار المحكمة ،لنقف جميعا ونوثق مع الأمين العام للأمم المتحدة بان أعلى محكمة في العالم قالت كلمتها،خاصة وأن مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ كوب 31 سيعقد في نوفمبر من هذا العام في مدينة انطاليا التركية، واتوقع أن تكون على طاولته (اختلاف الرأي )حول الوقود الأحفوري الذي خلفه كوب 30 ،وحتى نوفمبر 2026 ،تظل الفتاوى الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية ،تساهم في توضيح القانون الدولي وتطويره إلا أنها ليست (ملزمة)!.
**ويبقى السؤال بلا إجابة ،هل سيصمد الالتزام الأخلاقي والسياسي للدول المؤيدة للقرار ،عندما يتقاطع مع مصالحها الاقتصادية ؟؟؟؟



