حقوق الإنسانمقالات

الجاليات السودانية بين الإستقطاب السياسي وتنامي مظاهر العنف والتفكك الإجتماعي

دروس حادثة بلفاست وأزمة المجتمع السوداني في المهجر

بقلم/ د.سلام توتو:

لندن – المملكة المتحدة

أعادت حادثة المواطن السوداني المتهم في واقعة الطعن بمدينة بلفاست في إيرلندا الشمالية إلى الواجهة نقاشاً مهماً حول أوضاع الجالية السودانية في المملكة المتحدة والتحديات الإجتماعية التي تواجهها في المرحلة الراهنة. وبغض النظر عن المسار القانوني للقضية، الذي يبقى من إختصاص القضاء البريطاني، فإن ما أعقب الحادثة من ردود فعل مجتمعية وإعلامية واسعة يفرض على السودانيين وقفة جادة للتأمل في بعض الظواهر الإجتماعية المتنامية داخل أوساط الجالية.

فالقضية لا تتعلق بشخص واحد أو حادثة فردية معزولة بقدر ما تثير تساؤلات أعمق حول أسباب تزايد التوترات الإجتماعية وظهور بعض السلوكيات العنيفة أو العدوانية وسط فئات محدودة من أبناء الجالية، وحول قدرة المؤسسات السودانية في المهجر على القيام بدورها في الوقاية والإحتواء والمعالجة.

ومن الخطأ إختزال هذه الظواهر في تفسيرات سياسية أو أيديولوجية ضيقة، لأن الأسباب الحقيقية أكثر تعقيداً وترتبط بعوامل إجتماعية ونفسية وإقتصادية وثقافية متداخلة.

الجاليات السودانية.. من مؤسسات للتكافل إلى ساحات للإستقطاب

كان السودانيون في بريطانيا، لعقود طويلة، يعتمدون على الجاليات والروابط الإجتماعية كآليات للتكافل والتضامن وحل المشكلات. فقد كانت الجالية تمثل نقطة إستقبال للقادمين الجدد، ومركزاً للأنشطة الإجتماعية والثقافية، ومكاناً يجد فيه السوداني الدعم والمساندة والإنتماء.

لكن هذا الدور شهد تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. فقد إنشغلت بعض الجاليات بالصراعات السياسية والإستقطابات الحزبية التي إنتقلت من السودان إلى المهجر، وتحولت في كثير من الأحيان من مؤسسات إجتماعية جامعة إلى منابر للتنافس السياسي والتجاذب الأيديولوجي.

وأدى ذلك إلى فقدان الجاليات لقدرتها على إستيعاب قطاعات واسعة من السودانيين، خاصة الشباب والوافدين الجدد، الذين لم يعودوا يجدون فيها ما يلبي إحتياجاتهم الإجتماعية أو يساعدهم على مواجهة تحديات الحياة في بريطانيا.

إنَّ غياب المؤسسات المجتمعية الفاعلة لا يؤدي بالضرورة إلى العنف، لكنه يخلق فراغاً إجتماعياً خطيراً يضعف شبكات الدعم والتوجيه والإحتواء التي يحتاجها الأفراد عند مواجهة الأزمات.

صعوبة الإندماج وفهم المجتمع البريطاني

يواجه كثير من السودانيين، خاصة القادمين الجدد، تحديات كبيرة في التكيف مع المجتمع البريطاني.

فالحياة في بريطانيا لا تقتصر على تعلم اللغة الإنجليزية، بل تتطلب فهماً لمنظومة متكاملة من القوانين والمؤسسات والقيم الإجتماعية. كما أن أنظمة التعليم والإسكان والرعاية الصحية وسوق العمل تختلف بصورة كبيرة عن الأنظمة التي عرفها معظم السودانيين في وطنهم.

ويؤدي ضعف المعرفة بهذه الأنظمة إلى شعور بعض الأفراد بالعجز أو الإغتراب أو فقدان السيطرة على حياتهم اليومية، وهو ما ينعكس أحياناً في صورة توتر نفسي أو عزلة إجتماعية أو صعوبات في بناء علاقات مستقرة داخل المجتمع الجديد.

الضغوط الإقتصادية وصناعة التوتر اليومي

تعيش بريطانيا منذ سنوات أزمة متصاعدة في تكاليف المعيشة، ويشعر المهاجرون واللاجئون بآثارها بصورة أكبر.

فإرتفاع الإيجارات وأسعار الطاقة والغذاء والمواصلات، إلى جانب صعوبة الحصول على وظائف مستقرة بالنسبة لبعض الوافدين الجدد، يخلق حالة مستمرة من القلق والضغط النفسي.

وعندما تجتمع الضغوط الإقتصادية مع العزلة الإجتماعية وضعف شبكات الدعم، تصبح قدرة الفرد على تحمل الضغوط اليومية أقل، وتزداد إحتمالات النزاعات الأسرية والإجتماعية والسلوكيات الإنفعالية.

الحرب السودانية: صراع لم يتوقف عند الحدود

رغم وجود السودانيين في بريطانيا، فإن الحرب المستمرة في السودان ما زالت حاضرة في حياتهم اليومية.

فمعظم الأسر السودانية لديها أقارب أو أصدقاء يعيشون تحت ظروف الحرب والنزوح وفقدان الأمن. وكثيرون فقدوا منازلهم أو مصادر دخلهم أو أفراداً من أسرهم. كما يعيش البعض حالة مستمرة من القلق بسبب إنقطاع التواصل مع ذويهم أو عدم قدرتهم على مساعدتهم بالشكل المطلوب.

ولا تتوقف آثار الحرب عند الجانب النفسي، بل تمتد إلى الجانب الإجتماعي من خلال إنتقال الإستقطاب السياسي والإستقطاب العاطفي المرتبط بالحرب إلى داخل الجاليات السودانية في الخارج.

الصدمة الثقافية وأزمة الهوية

يواجه القادمون الجدد تحدياً إضافياً يتمثل في الصدمة الثقافية الناتجة عن الإنتقال المفاجئ إلى مجتمع مختلف في عاداته وقوانينه وأنماط حياته.

كما يواجه بعض الشباب السودانيين المولودين أو الناشئين في بريطانيا أزمة هوية تتمثل في محاولة التوفيق بين إنتمائهم الثقافي السوداني وإنتمائهم للمجتمع البريطاني.

وفي ظل ضعف المؤسسات المجتمعية القادرة على بناء جسور بين الهويتين، قد يشعر بعض الشباب بالعزلة أو بعدم الإنتماء الكامل لأي من المجتمعين.

لماذا تعتبر حادثة بلفاست جرس إنذار؟

تكمن أهمية حادثة بلفاست في أنها كشفت هشاشة الوضع الإجتماعي لبعض الجاليات المهاجرة، وأظهرت كيف يمكن أن يتحول سلوك فردي إلى قضية تمس صورة مجتمع بأكمله.

كما كشفت الحادثة الحاجة الملحة إلى مؤسسات سودانية أكثر فاعلية في مجالات التوعية والدعم النفسي والإجتماعي والإندماج المجتمعي.

والأهم من ذلك أنها تدفعنا إلى التساؤل: هل ما زالت الجاليات السودانية تقوم بالدور الذي أنشئت من أجله؟ أم أنها أصبحت منشغلة بالصراعات السياسية أكثر من إنشغالها بقضايا المجتمع السوداني نفسه؟

نحو مقاربة علمية لا سياسية

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل هذه الظواهر الإجتماعية إلى مادة للإستثمار السياسي أو الإعلامي.

فالعنف والإنحراف والتفكك الإجتماعي ليست قضايا حزبية، ولا يمكن تفسيرها فقط من خلال الإنتماءات السياسية أو المواقف الفكرية. بل هي ظواهر إنسانية ومجتمعية معقدة تتطلب دراسة علمية وفهماً واقعياً للأسباب التي تقف وراءها.

إن المطلوب اليوم ليس تبادل الإتهامات، بل بناء مؤسسات مجتمعية قوية، وإحياء دور الجاليات في التكافل الإجتماعي، والإهتمام بالشباب، وتوفير برامج للدعم النفسي والإندماج المجتمعي، وتشجيع ثقافة الحوار وإحترام التنوع.

خاتمة

تشكل حادثة بلفاست فرصة لمراجعة أوضاع الجالية السودانية في بريطانيا بعيداً عن التوظيف السياسي أو الأحكام العاطفية. فالمطلوب ليس البحث عن شماعات أو تبادل الإتهامات، وإنما فهم الأسباب الحقيقية للتحديات الإجتماعية التي تواجه بعض أفراد الجالية ومعالجتها بصورة علمية وواقعية.

إن بناء مجتمع سوداني متماسك ومعافى في بريطانيا يبدأ بإحياء الدور الإجتماعي للجاليات، وتعزيز الإندماج الإيجابي، ودعم الشباب والأسر، وترسيخ ثقافة الحوار والتكافل. فهذه هي الطريق الأكثر فاعلية للحد من مظاهر العنف والتفكك الإجتماعي والحفاظ على الصورة الإيجابية للسودانيين في المهجر.

12 يونيو 2026م

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى