الاقتصاد السوداني بين أزمة الدولة المركزية واستقلال مراكز النفوذ المحلية

بقلم/ إبراهيم عوض عريبي:
مقدمة..
يعاني السودان منذ عقود من أزمات اقتصادية متراكمة نتجت عن الحروب الأهلية، وضعف المؤسسات الحكومية، والعقوبات الدولية السابقة، وانفصال جنوب السودان عام 2011 الذي حرم الدولة من جزء كبير من عائدات النفط. ومع اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية ومليشيات الدعم السريع الجنجويد الارهابية في أبريل 2023 دخل الاقتصاد السوداني مرحلة انهيار غير مسبوقة، حيث تراجعت الإيرادات العامة، وتضررت البنية التحتية، وتوسعت أنشطة الاقتصاد غير الرسمي والتهريب، خصوصاً في قطاع الذهب الذي أصبح المصدر الرئيسي للنقد الأجنبي.
لكن الأزمة الاقتصادية لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل الحرب والسياسات المالية، بل ترتبط أيضاً بطبيعة الدولة السودانية نفسها، حيث تتداخل سلطة الحكومة المركزية مع نفوذ القبائل والعمد والنظار والحركات المسلحة، ما أدى إلى ظهور مراكز قوى مستقلة تمتلك موارد اقتصادية وأدوات عسكرية خاصة بها.
ضعف الدولة المركزية وصعود السلطات المحلية
في أجزاء واسعة من السودان، خصوصاً في دارفور وكردفان وشرق السودان، ظلت الإدارة الأهلية تمثل سلطة مؤثرة في تنظيم المجتمع وإدارة الأراضي وحل النزاعات. ومع ضعف مؤسسات الدولة وتراجع قدرتها على تقديم الخدمات، ازدادت أهمية العمد والنظار والقيادات القبلية باعتبارهم ممثلين فعليين للمجتمعات المحلية.
غير أن هذا الواقع أدى في كثير من الأحيان إلى ظهور أنماط من الاستقلال الاقتصادي والسياسي عن المركز، حيث أصبحت بعض القيادات المحلية تتحكم في الموارد الطبيعية ومسارات التجارة والحدود والمراعي ومناطق التعدين، وهو ما أضعف قدرة الدولة على فرض سياساتها الاقتصادية وجمع الايرادات.
عقب انفصال جنوب السودان، أصبح الذهب أهم مورد اقتصادي للسودان. غير أن جزءاً كبيراً من إنتاج الذهب يتم عبر التعدين الأهلي أو في مناطق تشهد نزاعات أمنية، ما جعل الرقابة الحكومية محدودة.
وتشير تقديرات عديدة إلى أن كميات معتبرة من الذهب السوداني لا تمر عبر القنوات الرسمية، بل يتم تهريبها إلى الخارج عبر شبكات تجارية وحدودية معقدة. ويؤدي ذلك إلى خسارة الدولة لعائدات ضخمة من العملات الأجنبية والضرائب والرسوم.
كما أن تعدد القوى المسيطرة على مناطق التعدين، سواء كانت مجموعات قبلية أو حركات مسلحة أو تشكيلات عسكرية مختلفة، ساهم في خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على السيطرة المحلية على الموارد أكثر من اعتماده على مؤسسات الدولة.
كما ان شرق السودان يعد من أكثر المناطق حساسية بسبب موقعه الاستراتيجي واحتضانه ميناء بورتسودان، إضافة إلى قربه من الحدود مع مصر وإريتريا.
شهد الإقليم خلال العقود الماضية توترات بين بعض المكونات القبلية، ومن بينها خلافات ونزاعات متفرقة بين مجموعات من الهدندوة والبشاريين من جهة، والرشايدة من جهة أخرى. وترتبط هذه الخلافات أحياناً بقضايا الأرض والمسارات التجارية والنفوذ المحلي والتمثيل السياسي.
وقد أدى ضعف التنمية الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وغياب المشاريع الاستثمارية الكبرى إلى زيادة التنافس على الموارد المحدودة. كما أن موقع الإقليم الحدودي جعله عرضة لعمليات التهريب بمختلف أنواعها، بما في ذلك تهريب السلع والذهب والوقود، الأمر الذي أوجد اقتصاداً غير رسمي يستفيد منه بعض الفاعلين المحليين أكثر مما تستفيد منه الخزينة العامة.
وايضاً في دارفور وكردفان تداخلت الإدارة الأهلية مع الصراعات المسلحة منذ بداية الألفية الثالثة. ومع استمرار النزاعات، أصبحت بعض القيادات القبلية والعسكرية تمتلك نفوذاً واسعاً يتجاوز الأدوار التقليدية للإدارة الأهلية.
ويذهب عدد من الباحثين إلى أن بعض مناطق دارفور وكردفان شهدت نشوء ترتيبات حكم محلية تعتمد على التحالفات بين القيادات القبلية والقوى المسلحة، ما أدى إلى تراجع سلطة الدولة المركزية. وفي هذا السياق برزت مليشيا الدعم السريع الجنجويد الارهابيةكفاعل رئيسي يمتلك نفوذاً عسكرياً واقتصادياً واسعاً في أجزاء من الإقليمين.
ويري مراقبون أن توسع نفوذ مليشيا الدعم السريع الارهابية ساهم في تعزيز استقلال بعض شبكات السلطة المحلية عن الدولة، بينما تؤكد قيادات المليشيا أن وجودها جاء لسد الفراغ الأمني وتحقيق الاستقرار في المناطق الطرفية. ويبقى تقييم هذه المسألة محل جدل سياسي كبير بين الأطراف السودانية المختلفة.
أما في جنوب كردفان وجبال النوبة تسيطر الحركة الشعبية شمال بقيادة المتمرد عبد العزيز الحلو على مناطق خارج سيطرة الحكومة المركزية منذ سنوات.
وقد أنشأت الحركة مؤسسات إدارية وقضائية وتعليمية خاصة بها داخل المناطق التي تسيطر عليها، ما خلق نموذجاً من الإدارة شبه المستقلة. ويرى أنصار الحركة أن هذه المؤسسات جاءت نتيجة فشل الدولة في تحقيق التنمية والمساواة، بينما تعتبر الحكومة أن هذه الأوضاع تمثل تحدياً لسيادة الدولة ووحدة أراضيها.
اقتصادياً، أدى استمرار الانقسام الإداري والعسكري إلى صعوبة دمج الموارد المحلية ضمن الاقتصاد الوطني، كما أعاق الاستثمار والتنمية طويلة الأجل في المنطقة.
تأثير تعدد مراكز النفوذ على الاقتصاد الوطني
أدى انتشار مراكز القوة المستقلة في السودان إلى مجموعة من النتائج الاقتصادية السلبية، منها:
ضعف قدرة الدولة على تحصيل الضرائب والرسوم.
انتشار التهريب والاقتصاد غير الرسمي.
تعدد الجهات المسيطرة على الموارد الطبيعية.
تراجع ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
ارتفاع تكاليف النقل والتجارة بين الأقاليم.
استمرار النزاعات حول الأراضي والموارد.
ضعف التخطيط الاقتصادي الوطني.
ومع استمرار الحرب الحالية، أصبحت هذه المشكلات أكثر تعقيداً، حيث تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الاقتصاد، بينما توسعت الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقوى المحلية والمجموعات المسلحة.
خاتمة..
إن الأزمة الاقتصادية السودانية ليست مجرد أزمة مالية أو نقدية، بل هي انعكاس لأزمة بنيوية في بناء الدولة نفسها. فضعف السلطة المركزية، وتعدد مراكز النفوذ القبلية والعسكرية، وانتشار التهريب، والصراعات المسلحة الممتدة في دارفور وكردفان وجبال النوبة وشرق السودان، كلها عوامل ساهمت في إضعاف الاقتصاد الوطني.
ويظل تحقيق الاستقرار الاقتصادي مرتبطاً بقدرة السودان على بناء مؤسسات دولة فعالة، ودمج الأقاليم المختلفة في نظام سياسي واقتصادي موحد، وإخضاع الموارد الطبيعية لرقابة وطنية شفافة، وإنهاء النزاعات المسلحة التي استنزفت البلاد لعقود طويلة.



