يوم الكشف.. لا تخافوا مما تجهلونه

بقلم/ حسام البر:
يعود المخرج ستيفن سبيلبرغ الحاصل على جائزة الأوسكار لثلات مرات، بعد ٤٤ عام ليتناول مرة أخرى، موضوعه الأثير ، الكائنات الفضائية ،في فيلمه الجديد يوم الكشف- disclosure day- ،وقد سبق عرض الفيلم بعض الزخم بسبب ان مخرجه من أكثر المخرجين إهتماما بمواضيع الكائنات الفضائية ، خَاصَّةً وَأَنَّ”فيلم اي تي ET” في مطلع الثمانينيات، عن ذات الموضوع، كان من باكورة أعماله التي قدمته للعالم و رَسَّخْتُ اسْمَهُ ضمن الكبار في صناعة السينما.تزايد هذا الزخم بعد الاعلان عن موعد صدور الفيلم الذي اتي بعد تصريحات الرئيسين أوباما وترامب الأخيرة حول الكائنات الفضائية ،كل ذلك اضفي لاحقاً على فيلم” اي تي” بعداً استشرافياً ، كان من المتوقع أن يذهب به سبيلبرغ في فيلمه الجديد ” يوم الكشف” الي أقصى حدوده الممكنة ، فيضفي عليه طابعاً تنبؤياً، أعلى درجة من الاستشراف الذي حققه فيلم” اي تي” ، فهل حدث هذا؟.
طرز سبيلبرغ مشاهد “اي تي” قبل ٤٤ عام بزخات من العواطف المشبوبة، رسخها الحضور الطاغي للأطفال في الأدوار الرئيسة، فصنعت للفيلم جماهيرية واسعة وساقته ليرتقي عرش الإيرادات السينمائية لعقد من الزمان ، ولطالما كان التعاطف أحد أكبر أسرار النفس البشرية، بل هو شرطها الأساسي الذي يميزها عن بقية المخلوقات الأرضية الي جانب انه أحد أهم ممسكات الحياة نفسها وأكبر أدوات تطورها الخفية و غير المعلنة.
المُعالَجَةُ وَالمَشهَدِيَّةُ البَصَرِيَّةُ :
فى المقابل لم تكن الطبقات الجمالية المتعددة في المشهدية البصرية لفيلم ” يوم الكشف” ضمن اهتمامات سبيلبرغ المتقدمة ،حيث انصب اهتمامه الأول نحو الفكرة الأساسية للفيلم وكيفية معالجتها ضمن السياق السردي التقليدي و المألوف ،فإن كان ثمة جائزة تستحقها عناصر الفيلم فهى علي الفكرة الأساسية ومواكبتها لتطورات الأحداث العالمية. تدور أحداث فيلم “يوم الكشف” حول رئيس مؤسسة “ووردكس” غير الحكومية، التي أخفت وجود كائنات فضائية عُثر عليهم في حطام مركبة عام ١٩٤٧، وأخضعتهم لدراسات قاسية وطوّرت من تقنياتهم. بعد عقود، يكتشف بعض العاملين في المؤسسة وثائق سرية مصوّرة تثبت هذه الوقائع، فيسعون لنشرها باعتبار أن الحقيقة ملك للجميع، بينما يخوض رئيس المؤسسة صراعًا لمنعهم من كشفها للبشرية.ويحسب للفيلم انه طرح بعض الأسئلة الوجودية العميقة، لكنه لَمْ يُوَفِّرْ لَها أُفُقًا واسِعًا مُتَعَدِّدَ الطَّبَقاتِ مِنَ الاسْتِبْصارِ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَنْبِتَ فيهِ بَعْضَ أَجْوِبَتِها ، لا سيما وان بروز التساؤلات حول موضوع الكائنات الفضائية في اللحظة الحاضرة من تاريخ البشرية، قد تزامن مع مايمكن أن نطلق عليه لحظة ” اَلْكُمُومِيَّةُ ” في التاريخ البشري وهي لحظة تمثل قفزة في المفاهيم العلمية غير مسبوقة في التاريخ سيترتب عليها إعادة تعريف تكاد تكون كاملة لكل مايتعلق بأسئلة المعنى ، الشيء الذي سيفتح الباب لتحولات ونقلات واسعة ونوعية في الحياة على كوكب الأرض ،على صعيد، العلوم والفهوم والفنون والاجتماع والاقتصاد والعقائد ، والمفارقة حينئذ قد تكون في صعوبة التمييز بين البشريين والفضائيين ، الا ان سبيلبرغ لم يلقِ بالاً لهذه اللحظة الفريدة ، التي يصعب تجاوز اِسْتِلْهامُها بعمق في معالجة اي موضوع يستجد في حاضر الشأن الإنساني ، مِمَّا جَعَلَ فيلم يوم الكشف عَمَلًا تَشْويقيًّا يَسْتَحِقُّ المشاهدة، إلَّا إنَّهُ لا يستحق الخلود في ذاكرة السينما كما فعلت أيقونته الأولى ” اي تي” ، إذ انه افتقر للعاطفة القوية التى تميز بها “أي تي” ، ثم انه عالج موضوع الكائنات الفضائية والأسئلة التي يمكن أن ينتجها بسطحية وابتسار لا يتناسب مع خامة الوعي الجمعي الذي يتسارع في النمو ليعيد تشكيل لحظتنا الحاضرة.
ظاهِرَةُ الاسْتِعْصاءِ العَامِّ :
فَوَّتَ الفيلم أيضا فرصة ان تكون له اطلالة واسعة على المشهد السياسى العالمي المحتشد بالحروب المتفرقة.. من نفس الشرفة التي تطل منها علينا الكائنات الفضائية ، ففي إحدى اللقطات على مشارف ختام الفيلم وقبل الإعلان عن وجود الكائنات الفضائية ، تاتي أخبار سريعة ومقتضبة على شاشات التلفزة ،لا ترد فيها إشارات للازمات والحروب التي تعصف بالعالم، وهي مجموعة من الحروب،يَتَطاوَلُ أَمَدُها وَتَستَعصي مُعالَجَتُها بصورة دائمة ، وتشترك جميعها في صفة واحدة ،ليس فيها نصر حاسم ولا هزيمة كاملة ، الا يبدو هذا الاسْتِعْصاءِ العَامِّ الذي يكاد يلف العالم ويتجلى في مستويات عديدة ،غريباً كغرابة الكائنات فضائية !!
الفَضائِيُّونَ غُزاةٌ أَم أَصدِقاءُ :
طرح فيلم يوم الكشف بعجالة أسئلة وجودية كبري ،ضمن إطار من التشويق والمطاردات التي نفذها سبيلبرغ بحرفية اشتهر بها واصبحت بصمته المميزة ،أهم هذه الأسئلة لم يطرح بالطريقة التي يستحقها كسؤال كبير ، بل برز كإحالة عابرة في سياق الأحداث ..والسؤال هو.. هل الفضائيون غزاة ام أصدقاء ؟ جاءت الإجابة ضمنياً في رسالة بلغة الفضائيين تقول “لا تخافوا مما تجهلونه” وبهذا يكون سبيلبرغ وفيا لموقفه الأول من الفضائيين في فيلمه “اي تي ” والذي بشر فيه بسلميتهم ، السؤال الثاني الأكثر أهمية، كان حول تأثيرات الكشف عن وجود كائنات فضائية على إيمان الناس ؟ وهو سؤال كبير اختصره الفيلم في إجابات بسيطة ومختزله عوضا عن المعالجة والمراجعة المفاهيمية والجمالية الواسعة والدقيقة لهذا السؤال ، ولو فعل ذلك لتحول حينها الفيلم الي أثر ثقافي وتنويري كبير في تاريخ السينما ولحجز مقعده الي جانب أعمال شديدة الاستبصار حققت نجاحات تجارية ونقدية عظيمة مثل فيلم “المصفوفة matrix “… او انترستيلر.. interstellar” او حتى دون – dune.
الأُفُقُ الأَعْلَى لِلْخَيَالِ :
ومع كل ذلك يظل سؤال السينما الاكبر مطروحا دائما.. وهو الي اي مدى يمكن لبعض الأفلام ان تستشرف المستقبل وتسبر غور الوجود وتكشف قناع الحقيقة عن وجهه ؟.. كيف يمكن للخيال ان يسبق العلم التجريبي، يفتح له المسار و يقود خطواته!! .. ربما يحدث ذلك لان كل مايمكن ان يتصوره العقل البشري ويصل اليه بمخيلته.. موجود في مكان ما، فى بعد آخر لا نعرفه، وفقاً لفيلم ماتركس.. مانحن الا ظلال تتجسد عبر مصفوفة رقمية.. تعيد عقولنا تعريفها باسم الواقع ..بكلمة أخرى.. نحن ظلال لحقيقة موجودة في” نَشْأَةٌ أُخْرَى “.. غير هذه التي تدركها عقولنا .



